جيبو باجي (Djibo Badjé).. مؤرخ “زرما” في النيجر

دِيَلْبَا (Dialba)

استمعتُ مؤخرا لـحكاية شعبية من النيجر – ساعد أحد الإخوة على ترجمتها, واتضح لي أنها تتناول قصة أحد أمراء “زرما” وتاريخ مملكة مالي. وهي أيضا من أعمال المؤرخ والحكواتي النَّيْجَرِيّ “جيبو باجي”.

وعرض “باجي” – في أدائه التراثي هذا وغيره من الأعمال الصادرة منه – كنوزَا ثقافية وملاحم تاريخية عبر الحكايات السردية أو أغاني المدح والأشعار. ما يعني أن الحكواتي أو (Jeli) عند الماندينغ و (Griot) في اللغة الفرنسية أو (Akéwì) عند اليوروبا – مستودع لأخبار والوقائع التاريخية والتقاليد الشفوية, وهو أيضا قائد بسبب موقعه كمستشار لشخصيات ملكية.

وهناك شخصيات كثيرة أخرى مارسوا (أو يمارسون) مهنة سرد القصص بطرق مختلفة في أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى, كـ: (Balla Fasséké) الذي عُيّن من قبل ملك الماندينغ “ناري ماغان كوناتي” ليقدم لابنه مؤسس مملكة مالي “سوندياتا كيتا” النصائح والمشورة في عهده. وهناك أيضا (Thione Seck) في السنغال؛ و لانريواجو أديبوجو (Lanrewaju Adepoju), مامان شاتا (Muhamman Shata), سليمان أجوبِحَيْوَي (Sulaimon Ayilara Ajobiewe) في نيجيريا؛ و بابا سوسو (Papa Susso) في غامبيا وغيرهم الكثير.

كان النيجري “جيبو باجي Djibo Badjé” الشهير أيضا باسم “دِيَلْبَا”, مؤرخا شهيرا وراوي قصص شفوية من عرقية “زَرْما”، وهو آخر من عَرَف جميع سلاسل النسب للعائلات العظيمة في مجتمع النيجر – ما يقرب من 300 نسب. كما أنّ باستطاعته سرد الملاحم العظيمة بين “سُنغاي” و “زَرْما” التي لها علاقة تاريخية بإمبراطورية “سنغاي”.

ويرافق “باجي” – الذي قال عن نفسه يوما: “أنا أمّ وأب الكلمة” – العود ذو الثلاث أوتار. ولأنه أخفق في نقل هذا الكنز الثقافي الثريّ لأبنائه كي يخلفوه من بعده، فقد أمضى أوقاتا في سنواته الأخيرة لنقل تراثه الشفوي إلى عالمة الاثنولوجيا السويسرية “ساندرا بورناند” – والتي التقى بها وهي طالبة شابة جاءت لقضاء شهر في نيامي عاصمة النيجر عام 1994. وخلال هذا الاجتماع الأول، أوضح “جيبو” لـ”بورناند” أهمية مهنته ووافق على طلبها لتسجيل قصة أولية.

وللأسف, توفي “جيبو باجي” في يوم 24 من شهر أبريل الماضي (2018) – آخر كبير مؤرّخي شعب “زرْما” – عن عمر يناهز 80 عاما.

أما “زرما”, فهي مجموعة عرقية تتواجد غالبيتها في الجزء الغربي من النيجر، وبأعداد كبيرة في المناطق المتاخمة لنيجيريا و بنين، إلى جانب أعداد في بوركينا فاسو وساحل العاج وغانا.

في سن 7 من عمره, بدأ “جيبو باجي” تعلّم سلالات “زرما” من والده “باجي بانيا”، وحفظ جميع الأنساب من نبلاء القبيلة وعائلات “سنغاى” في النيجر ليلة بعد ليلة جالسا بجانب “دودا douda” (النار). يضاف إلى ذلك ما علّمه والده من أنساب المشيخات التقليدية للقبيلة وقصص محاربيها.

جيبو مع أحد أبنائه، بوريما جيبو. المصدر: RFI

ومع ذلك, لم يكن أيٌّ من أبناء “جيبو باجي” البالغ عددهم 30 أو نحو ذلك – الذين تلقوا دروسهم من المدرسة الحديثة – مهتمين باتباع هذا التعلّم الشفهي ومتابعة تلقى هذا الموروث التقليدي حتى نهايته، وبالتالي ليس لـ”باجي” أي خليفة في المهنة.

أما عالمة الاثنولوجيا السويسرية “بورناند”, فقد استفادت الكثير من “جيبو”, حيث لديها اليوم حوالي 500 ساعة من التسجيلات التي كانت تعمل على كتابتها في لغة الزرما والفرنسية. وقد أصدرتْ بعضًا منها ، بما في ذلك: “خطاب عالم نسب زرما في النيجر” ، “لنتحدث الزرما، لغة النيجر” و قصص “سُنَّا بونتو” الشهيرة و “حامَّا بوديجو باتي”.

ومما نُسب إلى “باجي” أيضا قوله: “عندما لا نسلك طريقاً، سيختفي هذا الطريق”. فكان في رأي الجميع في عاصمة النيجر أعظم مؤرّخ وراوي قصص شفوية وعالم أنساب “زرما” في وقته.

وتقليديًّا, يُدعى “جيبو باجي” إلى الاحتفالات لتذكير الحاضرين عن المحتفل ونسبه، والثناء عليه وتذكيره بالتزاماته عبر سرد قصة لأسلافه.

وإذ كانت السويسرية “بورناند” تعزو سبب الاختفاء التدريجي لتقليد “زرما” الشفوي إلى تأثير الاستعمار والتغريب والتطرف, إلا أنّ ” باجي” قد ذكّر الناس قبل وفاته بأنه لم يُفشِ كل الأسرار ولم يُخبر عالمة الاثنولوجيا الأوروبية (السويسرية) كلّ ما يعرفه عن هذا الموروث التقليدي, لأن هناك أسرارا لـ”زرما” سيحملها هو معه إلى القبر!

ـــــــــــــــ

لمزيد من القراءة عن “جيبو”, أنصح بهذه الكتب والمقالات, لكل من:   Sandra BornandAmélie Tulet , Adaku Nwakanma وغيرها من الكتابات عن الحكايات الشعبية في أفريقيا.

 

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق