تاريخ نيجيريا.. والطريق نحو الاستقلال

يحتفل النيجيريون في كل 1 من شهر أكتوبر، بمناسبة استقلال بلادهم, حيث كان اليوم الذي اختارته بريطانيا في عام 1960م لـ”منح” نيجيريا استقلالها كدولة ذات سيادة, رغم أن الأقاليم الثلاثة – الشمال والشرق والغرب – كانت تدار من قبل الزعماء النيجيريين الذين تولوا رئاسة الحكومة الإقليمية لمدة ست سنوات قبل الاستقلال التام.

ولم تكن الشوارع والمدن في البلاد عشية يوم الاستقلال في هرج ومرج فقط, بل كان الجو السياسي والاجتماعي متوترًا, نظراً لما تحمله أحلام الآباء المؤسّسين وما ستؤول إليه احتمالات الحكم الذاتي والاستقلال لهذه الدولة الأفريقية الناشئة وقتذاك.. وكأنّ سكان البلاد لم يعودوا يطيقون الانتظار لاستلام القيادة والسلطة المركزية من المسئول البريطاني, السير “جيمس روبرتسون” – الحاكم العام (Governor-General) الأخير لنيجيريا (من 15 يونيو 1955 حتى 16 نوفمبر 1960).

نيجيريا.. أرض ثقافات وممالك

لقد أظهرت الدراسة الأثرية أن الناس يعيشون في جنوب شرق نيجيريا (وتحديدًا فيIgbo Ukwu, Nsukka, Afikpo  و  Ugwuele) منذ 100,000 عام. بينما أشار باحثون في علم البليونتولوجيا أنهم عثروا – في “إيو-إليرو” (Iwo-Eleru) جنوب غرب نيجيريا – على أقدم مثال معروف للهيكل العظمي البشري الأحفوري في غرب أفريقيا والذي كان عمره 13,000 سنة، مما يعضد تاريخ العيش في المنطقة.

وتوفر أفران صهر الحديد في “تاروغا” (Taruga) – وهي موقع أثري في جنوب شرق العاصمة النيجيرية “أبوجا” الواقعة في الحزام الأوسط – والتي يعود تاريخها إلى حوالي 600 ق.م أقدم دليل على أعمال المعادن في أفريقيا جنوب الصحراء. كما أن ثقافة “نوك” (Nok) – التي ازدهرت ما بين حوالي 900 ق.م – 200م في هضبة “جوس” (Jos Plateau) شمال شرق نيجيريا – تعدّ أقدم ثقافة نيجيرية استخدمت الحديد.

وقد طوّرت الأقاليم الثلاثة التي تكونت منها نيجيريا – قبل الاستعمار – نظام الدولة القوية القائم على الملكية والامبراطورية؛ ففي الشمال نشأت إمبراطورية “هاوسا-بوكواي” أو مجموعة المدن السبعة المترابطة, وظهرت امبراطورية “كانم-بورنو” في حوالي 700-1380م.

وأسّست اليوروبا في الجنوب الغربي؛ المدينة القديمة “إِلَيْ إِفَيْ Ile Ife” في حوالي 500 ق.م , ثمّ  أقاموا امبراطورية “أَوْيَوْ Oyo” التي ضمّت في ذروتها ما يُعرف اليوم بغرب وشمال وسط نيجيريا. وظهرتْ في جنوب نيجيريا أيضا امبراطورية “أَيْدوEdo ” المعروفة أيضًا باسم مملكة “بنين Benin”.

وترتبط ثقافة “بنين” ارتباطًا وثيقًا بالأعمال الفنّية البرونزية التي أنتجت في المملكة باستخدام تقنية “الشمع المفقود”. بل وأصبح هذا الفن مساهمًا رئيسيًا في التراث الفني العالمي حيث توجد اليوم لوحات معدنية ومنحوتات من المملكة في أشهر المتاحف الأوروبية – وخاصة في بريطانيا التي استولتْ في عام 1897م على معظم هذه اللوحات والأشياء الأخرى وحملتْها معها إلى بلادها خلال حملة امبرالية شعواء دمّرت المملكة.

وتوجد في الشرق أو جنوب شرق نيجيريا, قبائل الإيبو التي تشكلت ثقافتها من مناخ الغابات المطيرة والتجارة القديمة، والهجرة، والتاريخ الاجتماعي في مختلف ممالكها وعشائرها وقبائلها. ولعلّ ما ساهم في هجرتهم وهجرة المستوطنين الجنوبيين ما أشار إليه بعض المؤرخين: أنهم واجهوا هجوما من “تجار العبيد” من المنطقة المجاورة وعلى طول الساحل, فانتقلوا إلى الغابة لتجنّب آسريهم.

وهناك أيضا قبائل ومجموعات عرقية أخرى في الأقاليم سابقة الذكر, إلا أنها تُنظر إليها على أنها أقلية في الإقليم الذي تتواجد فيه, أو تُعدّ مجموعة فرعية من المجموعات ذات الأغلبية سواء بفضل المجاورة والمعاملة التاريخية أو التزاوج وغيره.

وبلغة الأرقام: توجد في نيجيريا اليوم حوالي 250 مجموعة عرقية. لكنّ أكثرها تأثيرا من الناحية السياسية ونسبة السكان هي: الهوسا والفولاني 29 ٪ ، اليوروبا 21 ٪ ، الإيبو 18 ٪، إيجو 10٪ (Ijaw)، كانوري 4 ٪، إبيبيو 3.5٪ (Ibibio)، تيف 2.5 ٪ (Tiv).

ومن الناحية اللغوية, يتحدّث النيجيريون الإنجليزية (لغة رسمية ولغة المكاتب)، الهوسا والفلاني، اليوروبا، الإيبو، وأكثر من 300 لغة أصلية أخرى.

وصول البرتغاليين وحقبة الاستعمار البريطاني

وصل الرحَّالُ البرتغاليون الثلاثة (Joao de Santarem، Pero Escobar، Lopo Goncalves  و Fernao do Po) إلى ما يُعرف اليوم بنيجيريا في عام 1472م وألْفَوْها منطقة ذات حضارة راسخة, إذ كانت الامبراطوريات الرئيسية الأربعة (أويو, بنين, بورنو و هوسا) التي تحكم المنطقة تتمتع بثقافات صناعية وزراعية وفنية. وبدأت “التجارة” بين امبراطورية “أَيْدَوْ Edo” والبرتغاليين في القرن الخامس عشر. وتولّى البريطانيون في القرن الثامن عشر زعامة الاسترقاق أو ما يسمّى بـ”تجارة الرقيق” في المنطقة.

وإذ قسّمت الدول الأوروبية قارة أفريقيا فيما بينها (يُعرف أيضا بـ التدافع على أفريقيا) بعد مؤتمر برلين عام 1884م, إلا أنّ الصحفية “ليدي فلورا شو” – وهي زوجة “اللورد لوغارد” المسؤول الاستعماري البريطاني – قد اقترحتْ تسمية المنطقة بـ “نيجيريا Nigeria” في 8 يناير عام 1897م, وهو الاسم الذي تعرف به المنطقة (ثم الدولة النيجيرية بعد الاستقلال), وذلك في مقالتها لجريدة “TIMES” البريطانيةالتي وصفت فيها “نهر النيجر River Niger” الذي يتدفق ويجري عبر المنطقة (أو “Area” في اللغة الانجليزية), أي (Niger + Area).

يذكر أن الاسم الرسمي الذي أطلقه الاستعمار البريطاني على المنطقة هو: “أقاليم شركة النيجر الملكية Royal Niger Company Territories”, لكنّ “فلورا شو” اعتبرتْه طويلا بحيثُ لا يمكن استخدامه كاسم “للممتلكات العقارية” التابعة لشركة تجارية بريطانية في ذلك الجزء من أفريقيا. بل وفضّلتْ “فلورا شو” مصطلح “نيجيريا” على المصطلح المشهور وقتذاك – مثل “السودان الوسطى” – الذي يستخدمه الجغرافيون والمسافرون لوصف المنطقة؛ لأنّ مصطلح “السودان” ظلّ مرتبطا بمنطقة في حوض النيل – وهي السودان الحالي.

وعلى الرغم من أنّ نيجيريا أصبحتْ رسميّا في عام 1901م جزءا من الإمبراطورية البريطانية الضخمة, إلا أن بريطانيا – رغم الاستيلاء على الأقاليم في البلاد – واجهتْ مقاومة محلية وصعوبات في الإدارة السياسية لهذه الأقاليم التي تكونتْ منها البلاد والتي أطلقت عليها: “المحمية الجنوبية”، و “المحمية الشمالية” و “مستعمرة لاغوس”.

وتتمتّع كل من هذه المحميات المختلفة بالعديد من التنوعات وأساليبها الخاصة في الحُكم. ويعني هذا الهيكل الإقليمي أيضا أن هناك قوانين مختلفة لكلّ من هاتين المحميتين (جنوب و شمال) و”مستعمرة لاغوس”, وأنها كلها مستقلة ذاتيّا مما تصعّب عملية إداراتها (بالنسبة للبريطانيين).

وللتغلب على هذه الصعوبات, ضمّت بريطانيا “مستعمرة لاغوس” مع “المحمية الجنوبية” في مايو 1906 وسمّتْها “مستعمرة ومحمية جنوب نيجيريا”. وأدتْ معاناة “محمية شمال نيجيريا” من عجز في الميزانية – وسعي بريطانيا إلى استخدام فوائض الميزانية من جنوب نيجيريا لتعويض هذا العجز – إلى قيام “اللورد فريدريك لوغارد” بدمج “مستعمرة ومحمية جنوب نيجيريا” مع “المحمية الشمالية” في عام 1914م, وذلك لتشكيل مستعمرة واحدة أطلقت عليها “محمية نيجيريا”. وكل هذه التغييرات في النهاية كانت لأجل تعظيم عوائد الإدارة الاستعمارية وليست لأجل مصالح النيجيريين.

وانتُقدتْ بريطانيا أيضا على نظام حكمها الاستعماري في نيجيريا المعروف بـ”الحكم غير المباشر”, لكنّ بريطانيا نفتِ الانتقادات بدعوى أن هذا النظام لا ينطوي على حكم وإدارة السكان بشكل مباشر، ولكن من خلال حكامهم التقليديين وزعمائهم. وكان هذا أحد العوامل التي أدت إلى فقدان الثقة في الزعماء المحليين واتهامهم بالعمالة والخيانة من قبل السكان المحليين – وخصوصا في إقليم الشمال, بل وغذت النزعة “القومية” بين النيجيريين بشكل عام.

محاولات أولية للاستقلال.. وولادة دساتير

تصاعدت الضغوطات من قبل الشعب النيجيري من أجل الاستقلال عن الحكم الاستعماري البريطاني. وقد قاد هذه المحاولات – ما بين عامي 1922 و 1959 – عقولٌ لامعة وشخصيات بارزة ممن حملوا راية النضال من أجل استقلال نيجيريا إدارة وحكما.

وقدّمتْ بريطانيا – نتيجة لأنشطة “القوميين” النيجيريين ولعوامل أخرى خاصة بالإدارة الاستعمارية – دساتير مختلفة في محاولة لتهدئة الضغوطات ولتخفيف نزعة الحكم الذاتي والاستقلال المتصاعد. وتضمنت هذه الدساتير كل من:

  • – دستور كليفورد لعام 1922 (Clifford Constitution of 1922), والذي ألغى “المجلس النيجيري” لعام 1914 وأبدله بمجلس تشريعي جديد يُمنح من خلاله النيجيريون سلطة محلية عبر المبادئ الانتخابية؛
  • – دستور ريتشاردز لعام 1946 (Richards Constitution of 1946), والذي قُدِّم لضمان مشاركةٍ أكبر للنيجيريين في مناقشة شئونهم الخاصة. فأتى الدستور بالنظام الإقليمي (أقاليم الشرق, والغربية والشمال) وهو أيضا بمثابة حجر الأساس للفيدرالية في نيجيريا؛
  • – دستور ماكفرسون لعام 1951 (Macpherson Constitution of 1951), الذي تميّز بتعديله لدستور ريتشاردز لعام 1946, وذلك بالمشاورات الواسعة مع مختلف شرائح المجتمع النيجيري قبل إنشاء الدستور في عام 1951, وأُنشئ بموجبه مجلس النواب الذي يتألف من الحاكم و 136 عضوا يُنتخبون من المجالس الإقليمية و 6 أعضاء خاصّين يعيّنهم الحاكم العام؛
  • – ودستور ليتلتون في 1954 (Lyttleton Constitution of 1954), والذي أسّس المبدأ الفدرالي ومهّد الطريق أمام النيجيريين الأعضاء في البرلمان لطلب استقلال نيجيريا.

كما أن من أهمّ إنجازات قادة الأقاليم الثلاثة؛ أن مُنح كل منها حكما ذاتيا (إقليم الغرب في عام 1956, إقليم الشمال في عام 1959، وإقليم الغرب الأوسط في عام 1963 – أي بعد الاستقلال).

شخصيات ناضلوا من أجل تحقيق استقلال نيجيريا

لم يتوقّف الصخب المتواصل لاستقلال نيجيريا التام عن الحكم الاستعماري, ولم تكن هذه الرحلة سهلة حيث شارك فيها عشرات بل مئات من النيجيريين وخاصة الأعضاء في مجلس النواب.

ومن الأشخاص الذين أسسوا المدخل لمقاومة الاستعمار البريطاني في نيجيريا وبرزوا لمجهوداتهم أكثر من غيرهم في النضال من أجل الاستقلال النيجيري: “هربرت ماكاولي” , “أوبافيمي أوولوو” , “نمدي أزيكيوي”, “تافاوا باليوا” ، “أنتوني إيناهورو” , “أحمدو بلّو” , “فونملايو رانسوم كوتي” , “جاجا واشوكو” , وغيرهم من “القوميين” الذين أصرّوا على تحقيق الهدف المشترك.

وقد نجح هؤلاء الشخصيات ليس فقط لأنهم قادرون على إقناع المسئولين الاستعماريين بالحاجة إلى الاستقلال، بل لأنهم أثبتوا أنهم قادرون على الحكم الذاتي. وكانت السمة الرئيسية المشتركة بينهم جميعا هي التعليم وتطبيق ما تعلّموه لصالح شعبهم والهدف العام.

وفي حدّ تعبير الكاتب النيجيري, أوموتايو يوسف:

 “كان من الواضح أن أي محاولة لإجبار المستعمرين على الخروج من نيجيريا ستكون كارثية لأن البلاد غير متساوية مع بريطانيا عسكريًّا. ولذلك كان من الضروري استخدام القلم الذي كان ورقة اللعب لدى القيادة. إن أولئك الذين “تحدوا” المستعمر وطالبوا بالحكم الذاتي لم يكونوا مطّلعين أكاديميًّا فحسب, بل أظهروا أنهم مستعدون وأثبتوا ذلك من خلال عرضهم في البرلمان وحجّتهم المنطقية.”

وفيما يلي نبذة مختصرة لهؤلاء الشخصيات:

1- هربرت ماكاولي (Herbert Macaulay):

وُلد الزعيم “هربرت ماكولي” (14 نوفمبر 1864 – 7 مايو 1946) في لاغوس جنوب غرب نيجيريا. وكان “قوميًّا” وسياسيا ومهندسا معماريا، وصحفيا نيجيريًّا. ويُعتبر من قبل كُتاب تاريخ نيجيريا كمؤسس “القومية النيجيرية”. ومما اشتهر به أنه كان معارضا قويّا للحكم البريطاني في نيجيريا؛ ففي عام 1919 نجح في جداله ومقاومته أمام مجلس الملكة الخاص في لندن نيابة عن الزعماء المحليين الذين استولى البريطانيون على أراضيهم، مما أجبر الحكومة الاستعمارية البريطانية على دفع تعويضات لهؤلاء الزعماء. وقد أثار هذا غضبَ المجلس البريطاني في “ماكاولي” فسجّنوه مرتين.

في 24 يونيو 1923، أسس ماكولي “الحزب الوطني الديمقراطي النيجيري” (NNDP) – وهو أول حزب سياسي نيجيري. وشارك في عام 1944 مع الدكتور “نمدي أزيكيوي” في تأسيس “المجلس الوطني لنيجيريا وكاميرون” (NCNC) وأصبح “ماكولي” رئيس الحزب. وكان حزب (NCNC) منظمة وطنية تهدف إلى جمع النيجيريين من كل الأطراف للمطالبة بالاستقلال.

وفي عام 1946 مَرِض “ماكاولي” في كانو (Kano) وتوفي لاحقا في لاغوس. وكانت كلماته الأخيرة أنْ:

 “أخبروا مندوبي (حزب) المجلس الوطني بالتوقف أينما كانوا لمدة أربعة أيام لـ(وفاة) ماكاولي ثم تابعوا (أنشطتكم في مقاومة الاستعمار).
أخبروا (ابني) أوليفر أودن ماكولي بأن يحافظ على العلَم (والراية) مرفوعًا.”

2- نمدي أزيكيوي (Nnamdi Azikiwe):

كان الزعيم “نمدي أزيكيوي” (16 نوفمبر 1904 – 11 مايو 1996) رجل الدولة النيجيرية وأحد الشخصيات القيادية في “القومية النيجيرية” الحديثة الذي لعب دورا رئيسيا في بروز نيجيريا كدولة ذات سيادة ومستقلة. وقد استغلّ منصبه كمحرّر لصحيفة “أفريكان مورنينغ بوست” لمناهضة الاستعمار البريطاني والترويج لأجندة مؤيدة لاستقلال الدول الأفريقية.

وكان أزيكيو – الذي وُلد لأبوين من الإيبو (Igbo) – أول نيجيري مدعوّ للانضمام إلى المجلس الخاص للمملكة المتحدة وأصبح الحاكم العام في اليوم نفسه. كما أنه مستشار للزعيم “كوامي نكروما” الذي أصبح رئيسا لغانا – أول دولة أفريقية تحررت من الحكم الأوروبي.

وقد ذهبت قيادة حزب “NCNC” إلى “أزيكيوي” بعد وفاة “هربرت ماكولي” وانتُخب في عام 1947م للمجلس التشريعي في نيجيريا. وفي 16 نوفمبر 1960م (بعد الاستقلال النيجيري) أصبح “أزيكيوي” أول حاكم عام من أصل نيجيري لاتحاد مكوّن من الأقاليم الثلاثة: الشمال والشرق والغرب، مع كون لاغوس عاصمة الاتحاد. وكان أيضا أوّل رئيس لنيجيريا حيث تولّى المنصب في 1 أكتوبر 1963 بعد أن أصبحت نيجيريا دولة جمهورية.

3- أنتوني إيناهورو (Anthony Enahoro):

كان الزعيم “أنتوني إيناهورو” (22 يوليو 1923 – 15 ديسمبر 2010) أكاديميّا وأحد النشطاء الرئيسيين المناهضين للاستعمار البريطاني, وهو معروف أيضا لدعواته للحكم المدني في نيجيريا إبان الانقلابات العسكرية. وكان من مواليد “أورومي (Uromi) بولاية “إيدو” (Edo state).

في سنّ 21 من عمره, أصبح “إيناهورو” رئيس تحرير للصحيفة التي أسّسها “نمدي أزيكيوي”، وهي (Southern Nigerian Defender)، مما جعله أصغر محرّر في نيجيريا. وكان “إيناهورو” أوّل من قدّم مقترحا لاستقلال نيجيريا في البرلمان الاتحادي, كما كان أيضًا مندوبًا في معظم المؤتمرات الدستورية التي أدّت إلى الاستقلال, وهو موقف أكسبه لقب “أبو الدولة النيجيرية”.

4- أوبافيمي أوولوو (Ọbáfẹ́mi Awólọ́wọ̀):

ولد الفيلسوف الزعيم “أوبافيمي أوولوو” (6 مارس 1909 – 9 مايو 1987) في “إكنّي” (Ikenne) بولاية “أوغون” جنوب غرب نيجيريا. وكان “”قوميًّا” له دوره الملموس في حركة استقلال نيجيريا. وقد بدأ مسيرته كـ”قوميّ” في “حركة الشباب النيجيري” (Nigerian Youth Movement) وارتقى إلى سكرتير الإقليم الغربي. وكان أوّل من دعا إلى تبنّي النظام الفدرالي في نيجيريا, وذلك في كتابه الذي صدر عام 1947 بعنوان: “الطريق إلى الحرية النيجيرية” (Path to Nigerian Freedom). كما أن له دورا بارزا في إنشاء المشاريع التنموية والبنى التحتية في جنوب غرب نيجيريا, إضافة إلى كونه أوّل رئيس الوزارة  للإقليم الغربي.

ويعتبر “أوولوو” مسئولا عن الكثير من التشريعات الاجتماعية التقدمية التي جعلت نيجيريا دولة حديثة؛ فقد كان مفوض نيجيريا الاتحادية للمالية، ونائب رئيس المجلس التنفيذي الاتحادي في الحرب الأهلية (أو حرب بيافرا). وقاد “أوولوو” – بدءا من عشية الاستقلال – كزعيم حزبَ ” Action Group” للمعارضة في البرلمان الفيدرالي. وعلى الرغم من أنه لم يفز بالانتخابات الرئاسية في عامي 1979 و 1983 ، فقد حصل على ثاني أعلى عدد من الأصوات. وكانت “دولابو أوسينباجو” – زوجة البروفيسور “ييمي أوسينباجو” (نائب الرئيس النيجيري الحالي محمد بخاري) حفيدة لـ “أوولووو”. وهو الرجل الشهير بالنظارات المستديرة في فئة 100 ₦ من عملة نايرا النيجيرية.

5- أحمدو بلّو (Ahmadu Ballo):

كان الحاج السير “أحمدو بَلّو” (12 يونيو 1910 – 15 يناير 1966) داعية إسلاميا وسياسيا نيجيريا؛ فهو سليل الشيخ “عثمان بن فوديو” مؤسس “خلافة سوكوتو”, وأول رئيس الوزارة في إقليم شمال نيجيريا. وكان “بلّو” الملقّب بـ “سردونا سوكوتو” (Sardauna of Sokoto) قد جمع بين صفات القيادية التقليدية ومعرفة بـ”الحكم الغربي”.

ولعب “أحمدو بَلّو” و “تافاوا باليوا” دورا كبيرا في المفاوضات حول مكانة الإقليم الشمالي في نيجيريا المستقلة. وكزعيم لحزب “مؤتمر الشعب الشمالي”، فقد كان شخصية مهيمنة في السياسة النيجيرية في الفترة المبكرة للاتحاد النيجيري والجمهورية النيجيرية الأولى.

6- أبوبكر تافاوا باليوا (Abubakar Tafawa Balewa):

كان الحاج السير “أبوبكر تافاوا باليوا” (ديسمبر 1912 – 15 يناير 1966) سياسيا نيجيريا، ورئيس الوزراء الوحيد في نيجيريا المستقلة. وقد انتُخب في عام 1946 في مجلس النواب للمستعمرة الشمالية، وفي الجمعية التشريعية في عام 1947م. واستغلّ منصبه كمشرّعٍ للمطالبة بحقوق شمال نيجيريا، وأسّس مع الحاج “أحمدو بلّو” مؤتمرَ الشعب الشمالي (NPC). وقد عُيّن في عام 1957 رئيس الوزراء (Chief minister), واحتفظ بمنصب رئيس الوزراء (Prime minister) عندما نالت نيجيريا استقلالها في عام 1960، وأعيد انتخابه في المنصب في عام 1964. (سبق أن نشرتُ هنا مقالةً خاصة عن “تافاوا باليوا”)

7- فونملايو رانسوم كوتي (Funmilayo Ransome-Kuti):

وُلدتْ “فونملايو رانسوم-كوتي” (25 أكتوبر 1900 – 13 أبريل 1978) في أبَيْأَوْكُوتا (Abeokuta) بولاية أوغن جنوب غرب نيجيريا. وكانت مُدرّسة وسياسية وناشطة في مجال حقوق المرأة وأرستقراطية تقليدية في نيجيريا. واشتهرتْ أيضا كوالدة “فيلا كوتي” (Fela Kuti), المغني العالمي ورائد “Afrobeat”. وتعدّ “رانسوم-كوتي” واحدة من أبرز قادة جيلها؛ فهي أول امرأة قادتِ السيارة في نيجيريا. ونظرًا لنشاطها السياسي ونفوذها، فقد وُصفتْ كـ”عميدة حقوق المرأة” في نيجيريا ، ولُقّبتْ أيضا ب”أم أفريقيا”.

في عام 1942، أسّستْ رانسوم-كوتي “نادي سيّدات أبَيْأَوْكُوتا” (Abeokuta Ladies’ Club) للنساء المتعلمات العاملات في الأعمال الخيرية, كما أطلقتْ برنامجا للمساعدة في تثقيف نساء الطبقة العاملة (أول برنامج تعليم الكبار للنساء في نيجيريا). وبمشاركة مع “إينيولا سوينكا” (شقيقة زوجها وأم الأديب النيجيري الحائز على جائزة نوبل, وولي سوينكا)، قامتْ “رانسوم-كوتي” بدمج “ناد السيدات” مع برنامجها لتثقيف النساء, وذلك لتشكيل “اتحاد نساء إيبا” (Egba Women’s Union) والذي يضمّ أكثر من 20،000 فرد. ومن خلال هذا المشروع ناهضتْ البريطانيون ودعمتْ حركة الاستقلال في نيجيريا. وهي أيضا واحدة من المندوبين الذين تفاوضوا على استقلال نيجيريا مع الحكومة البريطانية.

8- جاجا واشوكو (Jaja Wachuku):

وُلد “جاجا واشوكو” (1 يناير 1918 – 7 نوفمبر 1996) في نبواسي (Nbawsi) بولاية أبيا (Abia) جنوب شرق نيجيريا. وكان أميرا ملكيّا – من نغولاند (Ngwaland) و سليل 20 أجيال من الزعماء والملوك في أرض الإيبو بشرق نيجيريا. وإذ يعتبر رجل دولة نيجيرية ومناصرا للوحدة الأفريقية، إلا أنه أيضا كان محاميا وسياسيا ودبلوماسيا ومُحسِنًا خيريًّا.

ولم يكن “واشوكو” فقط أول وزير خارجية نيجيري, وأول رئيس لمجلس النواب النيجيري، وأول سفير نيجيري وممثل دائم في الأمم المتحدة؛ إذ قام أيضا – كوزير خارجية نيجيريا الذي يحظى باحترام واسع – بالتدخل والتحدث مع حكومة جنوب أفريقيا لإنقاذ “نيلسون مانديلا” وآخرين من عقوبة الإعدام في محاكمة ريفونيا لعامي 1963-1964.

تقديم مقترحات الاستقلال في البرلمان الاتحادي (1953-1959)

كان الزعيم “أنتوني إيناهورو” من أطلق الطلقة الأولى لما أدّى إلى استقلال تام لنيجيريا, وذلك بتقديمه مقترحا في البرلمان في عام 1953 من أجل استقلالٍ تحقّق في نهاية المطاف في عام 1960 بعد عدة انتكاسات سياسية وهزائم في البرلمان الاتحادي.

وبحسب الباحثين في التاريخ النيجيري، فقد كان أحد الأسباب التي ساهمت في انتكاس هذا المقترح من أجل الاستقلال في البرلمان الاتحادي؛ أنّ أعضاء البرلمان الشماليين نظّموا وقفة ضد المقترح وانسحبوا من البرلمان لأنهم يرون أن “نيجيريا ليست مستعدة بعدُ للاستقلال”.

وفي مقترح مضادّ لمقترح “إيناهورو”, استبدل الحاج “أحمدو بلّو” زعيم حزب “مؤتمر الشعب الشمالي” (NPC), عبارةَ “في عام 1956” التي جاءت في مقترح “إيناهورو”, بعبارة أخرى وهي: “في أقرب وقت ممكن عمليًّا”. وقدّم عضو شمالي آخر في البرلمان مقترحا لتأجيل مقترح استقلال نيجيريا، وهو اقتراح اعتبره الأعضاء الجنوبيون في حزب “Action Group” وحزب “المجلس الوطني النيجيري وكاميرون” (NCNC) بمثابة تكتيكات لتأخير استقلال البلاد, وانسحبوا جميعا من البرلمان نتيجة لمقترح التأخير.

وقد برّر عدد من الشخصيات الشمالية موقفهم هذا بأنّ الحصول على الاستقلال وقتذاك سيمنح الجنوبيين هيمنة على السلطة المركزية, خصوصا وأن الجنوب تتمتع بأفراد وشخصيات كثيرة كانوا متعلّمين وحاصلين على شهادات عليا وحديثة, بينما كانت نسبة المتعلمين والحاصلين على مثل هذه الشهادات في الشمال معدودة. لكن هذا الاتهام نفسه هو الذي وجّهه الجنوبيون والشرقيون (ولا يزالون يوجهونه اليوم) ضد الشمال, حيث يقولون إن الشمال هيمنتْ/وتُهيمن على السلطة والقطاعات الهامة والحساسة بمساعدة متعمّدة من بريطانا قُبيل الاستقلال وبعده.

وكان من أبرز اللقاءات التي ساهمتْ في لمّ الشمل بين النيجيريين من كل الأقاليم بعد حادثة البرلمان وطلب الشماليين للانفصال: مؤتمر لندن في يوليو عام 1953م لمناقشة مستقبل نيجيريا وموقف كل الأحزاب السياسية والأقاليم من مشروع نيجيريا. وشملت قائمة المندوبين في المؤتمر زعماء كثيرين بمن فيهم: “أوبافيمي أوولووو”, “أبو بكر تافاوا باليوا”, “نمدي أزيكيوي”, “أحمدو بلّو”, “لادوكي أكنتولا”, “أنتوني إيناهورو”, الشيخ “أمينو كانو” وغيرهم الكثير.

كما أنه برغم الانتكاسات والاختلافات بين أعضاء البرلمان من الجنوب والشمال, فقد عزّزت مقترح “إيناهورو” لاستقلال نيجيريا حركةٌ شعبية واسعة وضغطا موجّها ضد البريطانيين, وهيّج الرأي العام ضد الحكم الاستعماري البريطاني.

وفي عام 1957, قدّم الزعيم والمحامي “لادوكي أكينتولا” (Samuel Ládòkè Akíntọ́lá) مقترحا جديدا خاصا بالاستقلال على أساس مقترح “إيناهورو”، فوافق عليه البرلمان ولكن بريطانيا رفضته، وبالتالي فشلت المحاولة.

ثمّ أعاد الزعيم القانوني والناشط الحقوقي “ريمي فاني-كايودي” (Remi Fani-Kayode) في أغسطس عام 1958 تقديمَ مقترح استقلال ثالث للبرلمان. وبالفعل نجحت المحاولة وكان إنجازا عظيما لنيجيريا؛ إذ قبلتْ بريطانيا هذا المقترح ولكنها لم توافق على تاريخه, لأن مقترح “فاني-كايود” طلب منحَ نيجيريا استقلالها في 2 أبريل 1960, بينما قالت السلطات الاستعمارية البريطانية أنها بحاجة إلى بضعة أشهر أخرى لـ”وضع كل شيء في مكانه” قبل مغادرة الأراضي النيجيرية.

الطريق نحو 1 أكتوبر 1960

في عام 1959 قدّم الحاج “تافاوا باليوا” مقترحا آخر لتعديل مقترح 1958 (مقترح فاني-كايودي) الذي قد تم إقراره, وذلك بأن يكون تاريخ الاستقلال (1 أكتوبر) بدلا من (2 أبريل الذي رفضه البريطانيون). فتمّ إقرار مقترح “تافاوا باليوا” ووافق عليه البريطانيون بعد سلسلة من الضغوطات من مختلف الأطراف السياسية. وأعلن الحاكم الاستعماري قرار ملكة إنجلترا بمنح نيجيريا استقلالها في 1 أكتوبر 1960.

يقول “سولومون لار” حاكم ولاية بلاتو السابق قبل وفاته في عام 2013، وهو يستذكر كيف استقبلت نيجيريا استقلالها الفعلي في 1 أكتوبر 1960:

“في 12 يناير 1960، عقدنا نحن البرلمانيون المنتخبون اجتماعنا الأول وبعد يومين, في 14 يناير 1960، أقررْنا مقترحا لاستقلال نيجيريا، والذي أخذه رئيس الوزراء السير أبوبكر تافاوا باليوا – الديمقراطي العظيم – إلى لندن لوضع اللمسات الأخيرة على النقاش من أجل تحقيق 1 أكتوبر 1960 كعيد الاستقلال.”

وفي تمام الساعة 12:00 في 1 أكتوبر 1960، أصبحت نيجيريا دولة مستقلة. ورُفع العلم النيجيري الجديد, كما غُيّر النشيد الوطني من “حفظ الله الملكة” إلى “نيجيريا، نحن نهنئك” (النشيد الوطني القديم من 1960 حتى 1978م). وانتُخِب الزعيم الحاج “أبو بكر تافاوا باليوا” كأول رئيس وزراء نيجيريا. بينما أصبح الزعيم الدكتور “نامدي أزيكيوي” الحاكم العام الجديد – ثم أول رئيس نيجيري في عام 1963 عندما أصبحت نيجيريا دولة جمهورية.

وحلّ “جاجا واتشوكو” أيضا – عند الاستقلال – محلّ المسئول البريطاني السير” فريدريك ميتكالف” كأول رئيس (من أصل نيجيري) لمجلس النواب النيجيري. وقد حصل أيضا – بصفته أول رئيس لمجلس النواب – على أداة نيجيريا للاستقلال المعروفة أيضًا بـ “ميثاق الحرية”, وذلك في 1 أكتوبر 1960 من الأميرة “ألكسندرا كينت” ممثلة الملكة البريطانية في احتفالات الاستقلال النيجيرية.

ولكنْ… على الرغم من العرض السريع لتاريخ نيجيريا وأهمّ محطاته ومقارنة ذلك بما يجري اليوم في البلاد من الأزمة الأمنية والانفصالية وقضايا أخرى تعيق تقدم البلاد وتسيئ في سمعتها, أعتقدُ أنّ كلّ نيجيري غيور على وطنه بحاجة إلى إدامة النظر في قول الفيلسوف الزعيم “أوولوو” في رسالة له من السجن بتاريخ 28 مارس 1966:

“إن واحدة من الوحوش التي تهدد الحياة العامة في هذا البلد حتى 14 يناير من هذا العام (1966) هي الانتهازية مع شرورها المرافقة لاستغلال الوظيفة لتحقيق مكسب شخصي، والارتشاء، والفساد، والمصلحة الذاتية بلا خجل. .. إن أيّ شخص مفعم بالنشاط والقبول العام يجب أن يقبل منصبًا عامًا ليس لما يمكنه الحصول عليه لنفسه – مثل ربح المكتب وبهائه – ولكن للفرصة التي يوفرها له لخدمة شعبه بأفضل ما لديه، وتعزيز رفاهيتهم وسعادتهم.”

ــــــــــ

ولفهم أكثر لتاريخ نيجيريا, أنْصحُ باقتناء الكتب التالية : “تاريخ نيجيريا“, تأليف المؤرخ النيجيري وأستاذ الدراسات الأفريقية تويين فالولا ؛ “مشكلة نيجيريا“, تأليف عملاق الأدب الأفريقي والأديب النيجيري تشينوا أتشيبي؛ “جنود الثروة” و “النفط, السياسة والعنف” للمؤرخ النيجيري ماكس سيولونر.

 

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق