كين سرو وِيوا .. كلّ هذا من أجل قومي!

(Ken Saro-Wiwa (1941 - 1995

يُعتبر كينولي “كين” بيسون سرو ويوا (Kenule “Ken” Beeson Saro Wiwa) من أكثر الشخصيات النيجيرية إثارة للجدل, والنقاش عنه رغم مرور عقدين ونصف من إعدامه ما زال يثير غضب مسؤولي الحكومات ومؤيدي الأنظمة العسكرية والدكتاتورية في نيجيريا.

فهو كاتب ومنتج برامج تلفزيونية وأشهر النشطاء الأفارقة في مجال الحقوق البيئية، والحائز على جائزة “المعيشة الصحيحة” وجائزة غولدمان للبيئة.

وُلد “كين سرو ويوا” في أكتوبر عام 1941 في “بوري” بمنطقة دلتا النيجر، وهو الابن الأكبر لعائلة بارزة من شعب “أوغوني” – أقلية عرقية تقطن منطقة “أوغوني لاند” أو أرض شعب “أوغوني”، التي تقع اليوم في ولاية “ريفرز” جنوب نيجيريا. وأمضى طفولته في كنيسة انجليكانية. والتحق بالمدرسة الثانوية في “كلية الحكومة – أوموآهيا”, كما حصل على منحة لدراسة اللغة الإنجليزية في جامعة “إيبادان” العريقة.

كان “سرو ويوا” -خلال حرب “بيافرا” بين عامي 1967 و 1970- مسئولا مدنيا لميناء “بوني” القريب من “أوغوني” في دلتا النيجر. وواصل مسيرته إلى أن أصبح رجل أعمال, وروائيا ومنتجا تلفزيونيا. وقد صُنّفتْ مسلسلاته التلفزيونية الطويلة “باسيل وشركاه” من 1985 إلى 1990 كأكثر مسلسلات الصابون مشاهدة ومتابعة في أفريقيا.

وفي حين اعتاد “سرو ويوا” في جميع أعماله إلى الإشارة للاستغلال والظلم الذي يتعرض له شعب “أوغوني” – حيث صناعة النفط والغاز لم تقدّم للمزارعين في أرض “أوغوني” الفقراء أي بدائل لأراضيهم الزراعية الملوثة بسبب صناعة النفط وهم محرومون من جميع الحقوق؛ فقد اتفق الأدباء والنقاد على أن أفضل أعمال “سرو ويوا” المعروفة هي تلك التي سجّل فيها ملاحظاته وتجاربه في حرب “بيافرا”؛ فعمله الأكثر شهرة “Sozaboy” – رواية بالإنجليزية الفاسدة (أو الإنجليزية العامية الغرب أفريقية) – حكاية مروعة عن صبيّ قروي ساذج جُنّد في الجيش. والعمل الثاني “Darkling Plain” عبارة عن مذكراته لتجاربه خلال الحرب.

في عام 1973 أقيل “سرو ويوا” من منصبه كمفوض إقليمي للتعليم والتربية في ولاية “ريفرز” لمعارضته وقلقه الدائم حيال المعاملة “غير العادلة” لشعب “أوغوني” في نيجيريا, إضافة إلى تأييده للحكم الذاتي لمنطقة “أوغوني”. وخلال السبعينات طوّر شركاته في العقارات وتجارة التجزئة, وركّز في الثمانينات على كتاباته الأدبية والصحافة والإنتاج التلفزيوني.

أرض “أوغوني” الغنيّة

كان الأوغونيون من السكان الأصليين في منطقة جنوب شرق نيجيريا. وبحسب الروايات التقليدية, هاجر الأوغونيون إلى هناك من المنطقة المعروفة اليوم بـجمهورية غانا. ويبلغ عددهم نحو 1.5 مليون نسمة مع تقدير مساحة أراضيهم بحوالي 404 ميل مربع والتي يشار إليها بـ”أوغونيلاند” (أرض أوغوني).

وإذ كان الأوغونيون يشتركون في معاناتهم ومشاكلهم البيئية المتعلقة بالنفط مع شعب “إيجاو” (Ijaw) من دلتا النيجر, إلا أن شهرة الأوغونيون زادت دوليّا بعد حملتهم الاحتجاجية الضخمة ضد شركة “شل” بقيادة حركة (MOSOP).

أرض أوغوني الملوثة بالبترول ومخلفاته في جنوب نيجيريا.

ففي عام 1956 عندما اكتشفت شركة “رويال داتش شل” النفط في منطقة دلتا النيجر ، كان شعب “أوغوني” حينها يعيشون في أرض اعتبرت جنة للرعي والزراعة وصيد الأسماك. ومع ذلك بدأت “شل” عام 1958 عملية استخراج النفط في المنطقة.

وقد استُخرج من المنطقة خلال التسعينات ما يساوي أكثر من 100 مليون دولار من النفط والغاز وصُدّر إلى أماكن أخرى، وفي المقابل – كما صرّح “سرو ويوا” للأمم المتحدة في عام 1992 – “لم يتلق الشعب الأوغوني أي شيء”. ليعيشوا في فقر متزايد وهم يرون بأم أعينهم حجم الثروات التي تضخّ من أرضهم، إضافة إلى تحوّل الجنة بسبب تسرب النفط وحرق الغاز إلى تربة ملوثة ومدمرة.

وقد اعترف “بوب فان ديسل” – الرئيس السابق للدراسات البيئية في شركة “شل” بنيجيريا – في عام 1996, بأن “شل” تجاهلت التحذيرات المتكررة نتيجة عملياتها في نيجيريا وتسببت بأضرار بيئية واسعة النطاق. “كانوا لا يستوفون معاييرهم الخاصة, ولا يستوفون المعايير الدولية. كل المواقع التابعة لشركة “شل” والتي رأيتها كانت ملوثة. ومن الواضح بالنسبة لي أن الشركة تدمرة المنطقة”؛ يقول فان ديسل.

مظاهرات واعتقالات

لم يكن الأوغونيون الشعب الوحيد في دلتا النيجر الذي يعاني من ظلم وجشع شركات النفط بمساعدة من الحكومة العسكرية. إذ مع استمرار الدمار البيئي في الثمانينات،واجهت الشعوب الأخرى في منطقة الدلتا استفزازا ملحوظا – مما دعاهم إلى الاحتجاج السلمي ضد الشركة, ولم يقابلهم أي ردّ سوى العنف من الشرطة.

تجمّع زعماء “أوغوني” في عام 1990 لبحث حل لمعاناتهم, واتفقوا على وضع ما سموه “إعلان أوغوني” للحقوق, وذلك للدعوة إلى أحقية أوغوني السياسية وأهليتها للموارد الاقتصادية و”الحق في حماية بيئة أوغوني وحيواناتها ومحيطها من مزيد من التدهور”. وفي العام نفسه تم تشكيل “حركة إنقاذ شعب أوغوني” (MOSOP) والتي كان “سرو ويوا” ضمن مؤسسيها، معلنا أن من أخلاقيات الحركة هي الاحتجاج غير العنيف.

وفي يناير عام 1993, شارك حوالي 300 ألف شخص في مسيرة تظاهرية نظمتها (MOSOP) ضد أنشطتها “شل” في أراضيهم. وكما يقول أحد زعماء أوغوني أمام الحشد: “لقد استيقظنا لنجد أراضينا التي دمرها وكلاء الموت المدعوين بشركات النفط. وكانت أجواؤنا ملوثة تماما، وأراضينا متدهورة، ومياهنا مدنسة، وأشجارنا مسممة، لدرجة أن نباتاتنا وحيواناتنا في الواقع قد اختفت”.

وعلى الرغم من سلمية المظاهرة، فقد ردّت الحكومة العسكرية على مظاهرات الأوغونيين بعنف, وسجّنتْ قادة حركة (MOSOP) – بمن فيهم “سرو ويوا” – مرتين.

في نوفمبر عام 1993, جاء الجنرال “ثاني أباشا” إلى السلطة بعد إجباره الرئيسَ النيجيري “إرنست شونيكان” على الاستقالة، وأنشأ فرقة الأمن الداخلي الخاصة بولاية “ريفرز”. وهناك كتّاب رأوا أن إحدى مهام فرقة الأمن الداخلي هذه هي تسهيل إعادة فتح عمليات الحفر لشركة “شل” التي عُلّقت في وقت سابق من العام نفسه.

وفي 21 مايو 1994، اغتِيل أربعة رؤساء من (MOSOP) – لكنّ بطئ الأجهزة الأمنية في ردها واستجابتها على الجريمة أثار ريبة الكثيرين, لأن الفترات بين حدوث الجريمة واستجابة الأمن كافية لهروب أو تحديد القتلة الحقيقيين.

وبالرغم من أنّ “سرو ويوا” – أحد قادة الحركة – منفيّ وممنوع عن دخول أرض “أوغوني” في اليوم الذي حدثت جرائم القتل، إلا أن الأمن اعتقله هو وآخرون حيث اتهموهم بالوقوف وراء الجريمة لوجود اختلاف فيما بينهم حول استراتيجية قيادة الحركة وتحقيق أهدافها.

وقد نفى “سرو ويوا” هذا الاتهام مبرّئا نفسه في بيان مقدّم إلى المحكمة العسكرية, موضحا أن اثنين من القتلى من أصهاره ولا يمكنه قتلهم, كما أن الخلافات بينهم ليست خطيرة.

وكشفتْ تقارير شهود عيان في وقت لاحق إلى وجود حشد كبير من العسكر في جميع أنحاء أرض “أوغوني” في يوم الحادثة قبل وقوعها، وكأنه كان تحسبا منهم. ومع ذلك, لم ينجُ “سرو ويوا” من انتقادات العديد في مجتمع “أوغوني” لقسوة قراراته وكثرة غضبه تجاه بعض أعضاء الحركة – حتى وإن اتفقوا على استحالة معرفته بجريمة الاغتيال.

وقد اتخذت الأجهزة الأمنية تلك الحادثة ذريعة للقيام بعمليات ترويع متعمد لشعب “أوغوني”، مُعتدية علىيهم “بالضرب والقتل دون تمييز”. ووفقا لمنظمة العفو الدولية ومنظمات أخرى؛ قُتل المئات واُغتصبت النساء ودُمرت القرى و شُرد الآلاف من الأوغونيين في جميع أنحاء “أوغونيلاند”.

إعدام “سرو ويوا” و 8 آخرين

حافظت شركة “شل” على موقفها بادعاء البراءة التامة وعدم المشاركة مع أجهزة الأمن في القتل والترويع , لأنها – بحسب الشركة – لا تتحمل أية مسؤولية عن الإجراءات التي اتخذتها الحكومات العسكرية النيجيرية المتعاقبة.

غير أن هناك مؤشرات تخالف ادعاء الشركة بالبراءة, لأنها قامت بتمويل وتوريد السيارات للعمليات العسكرية, بل وزعم البعض أن قائد عمليات الأجهزة الأمنية في “ريفرز” اعترف لناشط بيئي بريطاني معتقل لفترة قصيرة بأن ” كل ما يقوم به كان لشركة شل … وأنه لم يكن سعيدا لرفض شل دفع أجور العمليات الأخيرة التي قام بها رجاله خارج مراكزهم”.

كين سرو ويوا و8 آخرون أثناء المحاكمة عام 1995

وفي محالة لتأمين إطلاق سراح أخيه, اجتمع “أوينز ويوا” شقيق “سرو ويوا” بين مايو ويوليو عام 1995 بـ”ريان أندرسون” – مدير إدارة شركة “شل” نيجيريا – عدة مرات. وأفاد “أوينز” في تصريحات بأنه مصدوم عندما قيل له في إحدى الجلسات أن “أندرسون” سيقوم كوسيط لدى الحكومة النيجيرية للإفراج عن أخيه, بشرط التعهد على وقف جميع الحملات والمظاهرات ضد شركته, الأمر الذي قابله “أوينز” بالرفض قائلا إنه غير قادر على ذلك.

وقد وُصفت المحاكمة التي بدأت في فبراير عام 1995 بالمعيبة, خصوصا وأن اثنين من شهود الادعاء العام اعترفا في وقت لاحق أنهما قبلا الرشوة من قبل شركة “شل” للإدلاء بشهادة ضد قادة حركة “أوغوني” المعتقلين. ورفض محامي الدفاع مواصلة دفاعه عن المتهمين الذين يبلغ عددهم خمسة عشر ليبقوا معتقلين دون تمثيل قانوني.

في أكتوبر من 1995, حُكم على تسعة أشخاص من الخمسة عشر متهما بالموت – من بينهم “سرو ويوا” – من قبل محكمة عسكرية مكونة من ثلاثة أعضاء فقط مختارين من قبل الجنرال العسكري “ثاني أباتشا”, وفي 10 نوفمبر عام 1995 أُعدم “كين سرو ويوا” والثمانية الآخرون شنقا في سجن “بورت هاركورت”, وأطلق سراح الستة الباقين لنقص الأدلة على إدانتهم.

وكنتيجة لحكم الإعدام وتنفيذه, انفجرت سلسلة من الاحتجاجات دوليًّا وأعقبها قطع بعض المؤسسات علاقاتها مع شركة “شل”. ووصف الزعيم الجنوب أفريقي “نيلسون مانديلا” عمليات الإعدام بـ”العمل الشنيع” ، بل وعُلّقت عضوية نيجيريا لمدة ثلاث سنوات في دول الكومنولث، مع فرض عقوبات اقتصادية على البلاد من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأمريكية.

وقد كتب “سرو ويوا” في بيانه أمام المحكمة التي أدانته بالإعدام:

“إن شركة شل والدكتاتورية العسكرية النيجيرية مؤسستان عنيفتان, وكلاهما تعتمد اعتمادا كبيرا على العنف للسيطرة على تلك المناطق من نيجيريا التي يستخرج منها النفط.

“الجيش لا يعمل وحده. إنهم مدعومون من قبل زمرة من السياسيين والمحامين والقضاة والأكاديميين ورجال الأعمال، وجميعهم يختبئون تحت ادعاء أنهم يقومون فقط بواجبهم، بينما الرجال والنساء من أوغوني خائفون حتى من غسل سراويلهم من البول”.

ومن الجدير بالذكر أن “سرو ويوا” في مقالته الساخرة بعنوان “أفريقيا تقتل شمسها” والتي نشرت لأول مرة في عام 1989 قد تنبأ -بمزاج سوداوي – بإعدامه في المستقيل.

ـــــــــــــــــــ

لقراءة المزيد عن “كين سرو ويوا”: أنصحكم بـ قراءة هذا و هذا و هذا, و هذا, ومشاهدة هذا وهذا.

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق