ما مكاسب برنامج LEAP في ليبيريا بعد ثلاث سنوات؟

شراكة النهوض بالتعليم الليبيري (LEAP)

في عام 2016م، وجد المهتمُّون بالتعليم وخبراء الإدارة والسياسة التعليمية أنفسهم أمام أكبر خطة تعليمية جرأة ومثيرة للجدل في تاريخ إفريقيا الحديث([1])؛ فقد واجه “جورج فيرنر” – وزير التعليم السابق في ليبيريا- مهمة صعبة تمثّلت في إصلاح النظام المدرسي في البلاد؛ إذ منعت فترات الحرب الأهلية (1989 – 2003م)، وتفشّي فيروس الإيبولا عام 2014م العديد من الأطفال من الذهاب إلى المدرسة، ولم يتعلم ذهبوا إلى المدرسة إلا قليلاً، بينما استطاعت القراءةَ حوالي 25٪ فقط من النساء الليبيريات اللائي أكملن المرحلة الابتدائية([2])، وجُلّ المدرّسين المُدْرَجِين في سجلّ الرواتب “أشباح” غير موجودين على أرض الواقع، وهم يقبضون الرواتب بانتظام.

كانت ميزانية وزارة التعليم الليبرية مجرد 50 دولارًا لكل تلميذ سنويًّا؛ ما يعني أنّهم بحاجة إلى إدارة مدرسية فعَّالة وذات كفاءة لتحقيق نتائج إيجابية مؤثرة وبتكلفة أقل. ولذلك لجأ الوزير”فيرنر” إلى الاستعانة بمصادر خارجية لإدارة المدارس العامة؛ فَسَلّم 93 مدرسة ابتدائية تحتوي على 8.6٪ من تلاميذ المدارس الحكومية إلى ثماني مؤسسات خاصة -في برنامج طَمُوح يسمى “شراكة النهوض بالتعليم الليبيري” (Liberian Education Advancement Partnership = LEAP). وفي وقتٍ لاحق وسّعت الحكومة برنامج الشراكة ليشمل 101 مدرسة إضافية.

وقد تمحورت مواقف خبراء التعليم تجاه البرنامج في عام 2016م حول حقيقة أن الشراكة بين القطاع العام والخاص قد ساهمت في توفير التعليم الابتدائي في دولٍ كثيرة، ولكنَّ دور مثل هذه الشراكات في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل لا يزال محلّ نقاش.

وكان السؤال الرئيسي: هل بإمكان القطاع الخاص تحسين نتائج التعلّم عندما تفشل أنظمة المدارس العامة؟

ويرى مؤيدو مثل هذه الشراكة أن المشغّلين والمؤسسات من القطاع الخاص قد يقدرون على إدارة المدارس بشكل أكثر فعالية؛ ممَّا يعطي الطلاب نتائج أفضل بتكلفة أقل؛ نظرًا لمحدودية موارد الحكومات. في حين يرى المعارضون أنها قد تؤدي إلى انفلات المشغّلين من المراقبة الحقيقية، وتجاهل التحديات أو الحد من خيارات الأطفال في المناطق النائية، والتركيز على درجات الاختبار على حساب الجوانب الأخرى؛ كسهولة الوصول إلى التعليم وسلامة الطفل.

وللتأكد من فاعلية هذه التجربة ودراسة تأثيراتها، رصد باحثون -بالتعاون مع مؤسسة “ابتكارات لمكافحة الفقر” (Innovations for Poverty Action = IPA)، ووزارة التعليم الليبيرية ومجموعة من ثمانية مشغلين من القطاع الخاص– هذا البرنامج؛ وذلك لتقييمه في تجربة عشوائية محكومة (RCT)، وتتبّعوا نتائج الاختبارات في مدارس المشغلين (من القطاع الخاص) والمدارس الحكومية القريبة.

وقد كشفت نتائج هذه الدراسة بعد أكثر من ثلاث سنوات من إطلاق البرنامج عن الواقع المعقَّد لعملية إصلاح التعليم في ليبيريا، وحقيقة الاستعانة بمصادر وشركات من القطاع الخاص في التعليم بالدول منخفضة الدخل.
نتائج الدراسة:

نشر مركز التنمية العالمية (Center for Global Development) تقريره ([3]) عن نتائج دراسته لبرنامج “شراكة النهوض بالتعليم الليبيري” (LEAP)، وتناول التقرير مكاسب التعلّم، ودرجة الوصول إلى التعليم، وسلامة الطلاب، واستدامة التكلفة خلال فترة الثلاث سنوات الماضية.

وبحسب التقرير؛ فقد رفعت المدارس التي شاركت في الدراسة درجات الاختبار بمقدار 0.21 انحراف معياري في مادة الرياضيات، و0.16 انحراف معياري في اللغة الإنجليزية أثناء الثلاث سنوات الماضية. وارتفعت درجات المجموعة التي بدأت من الصف الأول إلى أربع كلمات في القراءة؛ من 11 إلى 15 كلمة في الدقيقة.

وأشار التقرير إلى أن البرنامج قلّل من العقوبة الجسدية بنسبة 4.6 نقطة مئوية، من قاعدة بنسبة 51٪، لكنه لم يُحَسِّن مُعدّل التسرّب أو حالات الاعتداء الجنسي؛ فالنتائج تختلف باختلاف المشغّل؛ حيث أنتج بعض المشغلين نتائج إيجابية بشكل موحّد، في حين قدّم الآخرون تباينات بين مكاسب التعلّم ونتائج أخرى.

وقال جوستين ساندفور -الذي شارك في إجراء الدراسة-: “إن النتائج أظهرت أن بعض المشغّلين يتمكّنون من تحقيق مكاسب تعليمية فعَّالة من حيث التكلفة، وبعضهم يحقّقون مكاسب التعليم من خلال طرد الطلاب “غير المرغوب فيهم”، وفصلهم عن المدرسة لتقليل أحجام الفصول الدراسية، والبعض الآخر لا يقدّم الكثير من المكاسب إطلاقًا”.

وبعد عام فقط، استقرّت مكاسب التعلّم دون الصعود.

عواقب غير مقصودة ودروس مستفادة:

أشارت منظمة “ابتكارات لمكافحة الفقر” ([4]) إلى أربعة مجالات مهمة عند النظر في نتائج الدراسة:

1-الوصول إلى المدرسة/الحصول على التعليم الابتدائي: كشفت النتائج أن الاستعانة بمصادر خارجية أدّت إلى زيادة الالتحاق بالمدارس التي يديرها المشغلون من القطاع الخاص، ولكنَّ آثارها سلبية على التحصيل العلمي للطلاب، ومستوى التحاقهم بالدراسة في العام الأول؛ بسبب عمليات الطرد الجماعي التي قام بها أحد المشغلين -وهي أكاديمية بريدج الدولية (Bridge International Academies). كما أن هناك آثارًا سلبية على احتمال بقاء الأطفال في المدرسة، أو المواصلة بالانتقال إلى المدرسة الثانوية.

2-التعلّم: حسّن هذا البرنامج بعد سنة واحدة نتائج التعلّم بحوالي 0.18 انحراف معياري في كل من اللغة الإنجليزية والرياضيات. وظلت الآثار الإيجابية بعد ثلاث سنوات ذات دلالة إحصائية، ولكنها لم تتغير بشكلٍ كبيرٍ منذ السنة الأولى. وتفاوتت المكاسب بشكل متواضع من حيث القيمة المطلقة، وأنتج ثلاثة من بين ثمانية مشغلين صفرًا في التأثير، في حين أنتجت الخمسة المتبقية نتائج أكبر إلى حدّ ما ومتشابهة، والتي أدت إلى التأثير الإيجابي العام.

3-سلامة الطفل: انخفضت عقوبة المشغلين والمؤسسات من القطاع الخاص -بشكل عام- دون القضاء عليها. وانخفضت نسبة الطلاب الذين يُبَلِّغُون عن تعرُّضهم للضرب مِن قِبَل معلّميهم إلى 4.6 نقطة مئوية من مستوى 51 بالمائة في مجموعة المقارنة.

غير أنَّ مستوى الاعتداء الجنسي لم يتراجع بالرغم من تدفق الموارد الجديدة والرقابة الخارجية في مدارس الشراكة. وقد أظهرت نتائج المسح الذي أُجري عام 2019م أن 3.6٪ من الطلاب أبلغوا عن علاقة جنسية مع أحد معلميهم، وأبلغ 7.5٪ عن وجود شكل من أشكال الاتصال الجنسي مع المعلم. وإذ كانت البيانات التي تستهدف هذا المجال غير كافية والقوة الإحصائية محدودة، إلا أنَّ بعض المشغلين قلَّلُوا بشكلٍ فعّالٍ من الإساءات الجنسية المبلَّغ عنها إلى الصفر.

4-الاستدامة (التكلفة): كانت التكاليف مرتفعة في البداية، ولكنها انخفضت إلى حد كبير أثناء سنوات إجراء الدراسة؛ فقد أنفقت الحكومة الليبيرية عند إطلاق البرنامج حوالي 50 دولارًا أمريكيًّا لكل تلميذ في المدارس الابتدائية العامَّة، على أمل أن يُنفق المشغلِّون من القطاع الخاص (وممولون خليجيون) 50 دولارًا إضافيًّا لكل تلميذ. لكنَّ إنفاق المشغلين في السنة الأولى لكل تلميذ كان حوالي 300 دولار في المتوسط. وبحلول العام الثالث كان متوسط التكلفة الإجمالية 119 دولارًا (أكثر من ميزانية الحكومة – 50 دولارًا لكل تلميذ).

ومن الملاحَظ أنَّ نتائج الدراسة أوضحت بعض الأمور الغامضة، ووحّدت آراء بعض خبراء التعليم الذين انقسموا حول الشراكة في عام 2016م. وأصبح العديد من صُنَّاع السياسة التعليمية اليوم يذهبون إلى أن مكاسب البرنامج بعد ثلاث سنوات كانت جيِّدة؛ خاصةً من حيث الإدارة في مدارس البرنامج، ولكنها ليست عظيمة وكبيرة؛ كما كان يأمل البعض عند إطلاق البرنامج([5]).

وبالنسبة للنظام الليبيري بشكلٍ عامّ وقطاع التعليم في البلاد بشكل خاص؛ فإن آثار هذا البرنامج متباينة؛ فالبرنامج -وفقًا لتقرير الدراسة- “وفّر موارد إضافية في العديد من المدارس التي تضمّ أفضل الموظفين والبنية التحتية في البلاد”. وإذا كانت زيادة الإنفاق على المدارس خطوة مثالية؛ إلا أنها ليست واقعية بالنظر إلى مكاسب هذا البرنامج.

_____

[1] – حكيم نجم الدين. (2016م). واقع التعليم في ليبيريا: عندما تتخلى الحكومة عن مسئوليتها. قراءات إفريقية، متوفرة هنا https://bit.ly/2N26jTd

[2] – Liberia Institute of Statistics and Geo-Information Services. (2014). Liberia demographic and health survey 2013. Liberia Institute of Statistics and Geo-Information Services.

[3] – Mauricio Romero & Justin Sandefur (2019). Beyond Short-term Learning Gains: The Impact of Outsourcing Schools in Liberia after Three Years. Center for Global Development, working paper, available at https://www.cgdev.org/publication/beyond-short-term-learning-gains-impact-outsourcing-schools-liberia-after-three-years

[4] – Innovation for Poverty (2019). The Impact of Outsourcing School Management in Liberia. Available at https://www.poverty-action.org/study/impact-outsourcing-school-management-liberia

[5] Mary Mulbah & Samuel Y. Johnson (2019). Public Private Partnerships In Liberia Have Failed! The Education Minister Must Act Now To Save The Liberian Education System. Unite for Quality Education, available at https://www.unite4education.org/global-response/public-private-partnerships-in-liberia-have-failed-the-education-minister-must-act-now-to-save-the-liberian-education-system/

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق