القِطَع الأثرية الأفريقية في متاحف أوروبا وعقبات في طريق استعادتها

أشار منتدى لليونسكو عام 2007م إلى أنه يوجد خارج قارة إفريقيا ما بين 90٪ إلى 95٪ من القطع الأثرية الثقافية المملوكة لبلدان إفريقيا جنوب الصحراء.

ويعضّد هذه الأرقام تقريرٌ أعدَّه الاقتصادي السنغالي “فيلوين سار” والمؤرخ الفرنسي “بينديكت سافوي” الصادر من الحكومة الفرنسية في عام 2018م والذي دعا إلى ضرورة إعادة الأصول الإفريقية المنهوبة من قبل القوى الاستعمارية الأوروبية والبعثات الإثنوغرافية والممتلكات التي تمّ الحصول عليها في ظل ظروف مشكوك فيها، وتوجد في متاحف وأسواق مختلفة خارج القارة.

وقد ركّز النقاش في السنوات الأخيرة على الفنّ الإفريقي بالرغم من أن دعوات الإعادة تشمل عناصر تراثية مختلفة، بما فيها الفن والمحفوظات والأشياء الاحتفالية والبقايا البشرية، وعينات التاريخ الطبيعي والتراث الثقافي غير المادي؛ مثل التسجيلات الصوتية والصور الفوتوغرافية.

وقد وُصِفَتْ بعض هذه العناصر الفنية بأنها من خيرة ما أنتجتها إفريقيا على مرّ القرون، خصوصًا وأن قدرة أيّ متحف وطني بإفريقيا جنوب الصحراء لا تفوق -في أكبر إمكانياتها- 3000 قطعة أثرية فقط، ومعظم هذه المتاحف ليس لها أهمية تُذْكَر مقارنةً بالمتاحف الأوروبية.

ومن هنا جاءت التساؤلات التي يثيرها مسؤولون في أوروبا الذين قالوا -بعد سلسلة الانتقادات والضغوطات-: إن النقطة الأهمّ بالنسبة لهم هي: نحن ندعم فكرة إعادة القِطَع الأثرية إلى أوطانها، ولكننا قَلِقُونَ من أن المتاحف الإفريقية خالية من المرافق الحديثة، وقد تكون غير قادرة على الحفاظ عليها، مقارنةً بالمتاحف في بريطانيا وفرنسا وبلجيكا أو حتى ألمانيا التي تحتفظ بهذه القِطَع والأصول الإفريقية.

 

شَعر الامبراطور “تيودروس” الثاني:

في مارس الماضي أعلن متحف الجيش الوطني البريطاني، أنه سيُعِيد قُصَّتَيْ الشَّعر المسروقتين من الإمبراطور الإثيوبي “تيودروس الثاني” في القرن التاسع عشر؛ فقد قصّت القوات البريطانية الشعر من رأس الإمبراطور بعد انتحاره حتى لا يقع أسيرًا بيد القوات البريطانية التي هاجمت حصنه في “مَغْدَالا” (Magdala) عام 1868م.

المصدر: تويتر/@DerilloEyob

وقد أفادت الكُتُب التاريخية بأن القوات البريطانية لم تَكْتَفِ بسرقة شَعْر الإمبراطور؛ بل نهبت الكثير من الممتلكات التي احتاجت عملية نقلها إلى 15 فيلًا و200 بغل. وتضمنت الكنوز المسروقة بعد المعركة أكثر من 500 مخطوطة قديمة، تاجين ذهبيَّن، صُلْبَانا وكؤوسًا مصنوعة من الذهب والفضة والنحاس، ورموزًا دينية أخرى. بينما نُقل ابنه الأمير “أليمايحو”، البالغ من العمر سبع سنوات إلى المملكة المتحدة إلى جانب الكنوز المنهوبة. وأصبحتْ قُصتا الشّعر منذ عام 1959م ضمن مجموعة متحف الجيش الوطني في لندن.

واعتبرت بعض التقارير أن قرار المتحف البريطاني إعادة شعر الإمبراطور الإثيوبي يُعتبر “لفتة مثالية للنوايا الحسنة”؛ كما أن لعودة الشعر -بعد مرور 151 عامًا- رمزيةً مهمة في إفريقيا بشكل خاص، وفي إثيوبيا بشكل عام؛ نظرًا لرمزية “تيودروس الثاني” في تاريخ إثيوبيا، وأهميته اللاحقة بالنسبة للإثيوبيين الذين دافعوا عن استقلالهم وأرضهم ضد الهجمات من دول قويَّة. وقد أشادت السفارة الإثيوبية في لندن بقرار المتحف البريطاني.

 

نصب ناميبيا البالغ 500 عام:

في يونيو 2017م، طلبت الحكومة الناميبية رسميًّا من ألمانيا إعادة أداة الملاحة والتنقل التي أخذتها ألمانيا من نامبيا، والتي يرجع تاريخها إلى القرن الخامس عشر. وقد استجابت الحكومة الألمانية للطلب بالإعلان في شهر مايو الماضي عن عودة هذه القطعة الأثرية المعروفة باسم “الصليب الحجري” (Stone Cross)، وهي خطوة وصفتْها وزيرة الدولة للإعلام والثقافة الألمانية “مونيكا جروسيتس” بأنها تُظْهِر استعداد بلادها لمحاسبة ماضيها الاستعماري.

“الصليب الحجري” في متحف ألماني/ المصدر: دتش فيله

تاريخيًّا، يقال: إن الرحَّالة البرتغالي “ديوغو كاو” هو الذي أقام علامة الملاحة التي يبلغ ارتفاعها 3.5 متر، والتي وُضعت لأول مرة على ساحل ناميبيا عام 1498م. وقد نُقلت إلى ألمانيا عام 1893م بعد أن أصبحت ناميبيا محمية الإمبراطورية الألمانية، وعُرضت في المتحف التاريخي الألماني في برلين، وتحظى باهتمام شديد لدى خبراء القِطَع الأثرية، بل وظهرت على خرائط العالم القديم.

 

سيف الحاج “عمر طعل” الفوتي:

في أولى خطواتها للوفاء بالتزام إعادة الكنوز التراثية والثقافية إلى مستعمراتها السابقة في غرب إفريقيا؛ أعادت فرنسا في نوفمبر الماضي سيفًا من القرن التاسع عشر مملوكًا للقائد الفقيه الشيخ الحاج “عمر سعيد طعل” الفوتي الذي أسَّس إمبراطورية “تكرور”، وقاد نضالًا ضد المستعمر الفرنسي في غرب إفريقيا.

رئيس السنغال ماكي سال يتسلم سيف “عمر طعل” من رئيس الوزراء الفرنسي “إدوار فيليب” في قصر الجمهورية في داكار، في نوفمبر 17 2019. المصدر: سيلو / أ ف ب عبر غيتي إيماجز.

وفي عام 1860م، وقّع الحاج “عمر طعل” معاهدة سلام مع فرنسا. وتُوفّي جرَّاء انفجار البارود -وفقًا للرواية الشهيرة- في عام 1864م. وسرقت فرنسا سيفه، كما تم الاستيلاء على كُتُبه من مكتبته العلمية الإسلامية.

وقد سلّم رئيس الوزراء الفرنسي “إدوارد فيليب” سيف الحاج “عمر” للرئيس السنغالي “ماكي سال” في حفلٍ أُقِيمَ في عاصمة السنغال؛ داكار، وذلك بمشاركة وحضور بعض من نَسل الحاج “عمر”.

وقال “فيليب”: إن عودة السيف كانت “الخطوة الأولى” في مشروع يهدف إلى إعادة المزيد من القِطَع الأثرية السنغالية الموجودة حاليًا في المتاحف الفرنسية التي تحتوي على ما لا يقل عن 90 ألف قطعة أثرية من إفريقيا جنوب الصحراء.

أما الحاج “مامادو مختار ثيام” -وهو من سلالة الحاج “عمر”، فقد نبَّه إلى ضرورة إرجاع الفرنسيين كُتُب الحاج “عمر” التي شكَّلت جزءًا من مكتبته الضخمة. “لقد أخذوا كلّ شيء، بما في ذلك مكتبته في سيغو، وآمل أن يُرجَع إلينا جميع كتبنا الموجودة الآن في فرنسا”.

 

ديك “أوكوكور” من 1897م :

في أواخر نوفمبر الماضي، أعلنت “كلية يسوع – كيمبردج” أنها ستُعِيد ديكا برونزيًّا إلى نيجيريا، الأمر الذي يضيف زخمًا إلى تنامي حركة إعادة الكنوز إلى أوطانها. كما أنها بمثابة التزام بريطانيا بالاتفاق الذي أبرمه المتحف البريطاني في لندن مع الحكومة النيجيرية عام 2018م، بإعادة الكنوز البرونزية من إمبراطورية بنين النيجيرية التي نهبها الجنود البريطانيون عقب غزو بريطانيا للإمبراطورية.

ديك Okukor في كلية يسوع بجامعة كامبردج

وسيكون الديك البرونزي -الشهير باسم “Okukor”، والذي وصفته الكلية بأنه “إرث ملكي للأجداد” في بنين- واحدًا من أولى الكنوز البرونزية التي تُعيدها مؤسسة بريطانية كبرى إلى نيجيريا منذ ما يسمى بـ”الحملة الاستكشافية” عام 1897م عندما نهبت القوات البريطانية آلافًا من البرونز من إمبراطورية بنين.

قد كتب “جيمس روبرت فيليبس” – القنصل البريطاني العام الذي قاد عام 1896م بعثة صغيرة إلى قصر ملك بنين – إلى وزارة الخارجية البريطانية في العام 1895م:

“لديّ سبب للأمل في العثور على ما يكفي من العاج في منزل الملك لدفع مصاريف إزالة الملك من مقعده”.

وإذ تباينت الآراء حول برونزيات امبراطورية بنين التي توجد في مخازن أوروبا ومتاحفها وتقدر بحوالي 3000 قطعة, فإن الموقف الأفريقي مختلف تماما: هذه البرونزيات مملوكة لامبراطورية أفريقية, وبالتالي يحب إرجاعها إلى أهلها, خصوصا وأنها تتعلق بثقافتهم وتاريخهم ومعتقداتهم.

“هذه البرونزيات أكثر من مجرد فن”؛ هكذا قال “Ikhuehi Omonkhua” – كبير مسؤولي المعرض بالمتحف الوطني في مدينة بنين: “إن إبقائهم في الخارج يشبه احتجاز أجدادنا كرهائن”.

وفي حين أوصت بإعادة ديك Okukor “فرقة عمل تراث العبودية في كلية يسوع” (LSWP) -وهي مجموعة مُكَرَّسَة للنظر في روابط المؤسسة بالعبودية-، وأكَّدت أن والد أحد طلاب الكلية البريطاني قد تبرَّع به عام 1905م، إلا أن الكلية لم تحدد بعدُ تاريخ عودة الديك البرونزي ذي الرمزية في المعتقدات البنينية.

 

عقبات في طريق إعادة الأصول الإفريقية:

في أوروبا, يتمركز النقاش حول إعادة الكنوز والقطع الأثرية الأفريقية إلى أوطانها قضايا تتجاوز المتاحف وتشمل هوية هذه الآثار ومن يملكها وكيفية التوصل إلى اتفاق حول الماضي. ومن الواضح ممَّا سبق أن تنامي ضغوطات الدول الإفريقية وانتقادات مختلف المنظمات الدولية قد أثَّرا في مواقف الدول الأوروبية، وخاصة بعد إصدار التقرير الفرنسي.

فقد تقدمت السنغال والكونغو الديمقراطية وساحل العاج وجمهورية بنين بطلبات رسمية لإعادة مصنوعاتها اليدوية المسروقة. وأعلنت مؤسسة المجتمع المفتوح (OSF) أيضًا عن مبادرة بقيمة 15 مليون دولار تهدف إلى تعزيز الجهود الرامية إلى “استعادة الأشياء الثقافية المنهوبة من القارة الإفريقية”. بل وافتتح متحف رجكس “Rijks” في أمستردام محادثات مع سريلانكا وإندونيسيا.

على أنّ الخبراء والكُتَّاب المهتمين بقضية استعادة المقتنيات الإفريقية من متاحف أوروبا يرون عدم سهولة عملية الاسترداد، ولكنها في رأي “فيلوين سار” –أحد مؤلفي التقرير الفرنسي- طريق حيوي ومهمّ بالنسبة لإفريقيا؛ لأنها ستساهم في عملية إنهاء الاستعمار.

وتشمل التحديات التي ستواجهها الدول المطالبة بعودة كنوزها؛ وجود حواجز وضعتها الدول الأوروبية على طرق استعادة هذه الممتلكات، وحاجة بلدان إفريقيا لإشراك مواطنيها في هذه المناقشات.

وأضاف:

“يحتاج الناس أولاً إلى معرفة ما تم أخذه منهم. بعد ذلك سيدركون أن هذه (العملية) ليست مناقشة للنخبة فقط، ولكنها مناقشة تتعلق بهم؛ بتاريخهم وتراثهم وإرثهم”.

أما “سينديكا دوكولو” -وهو جامِعٌ للفنّ الكونغولي، ومدير مؤسسة نظَّمت عملية إعادة القِطَع الأثرية إلى الكونغو وأنغولا-؛ فقد صرّح بأنه

قد يكون من الصحيح أن “جيلًا كاملاً” من محترفي الاثار بحاجة إلى التدريب “في معظم الدول الإفريقية؛ نظرًا لضعف قدرة المتاحف الإفريقية على حماية هذه الممتلكات الفنية والحفاظ عليها. ورغم أهمية تدريب هذا الجيل الجديد، إلا أنه تقع على عاتق المتاحف الأوروبية مسؤولية التأكد من وصول الجماهير الإفريقية إلى قِطَعها الأثرية، وحصولها على مقتنياتها الفنية التي هي في حوزة أوروبا”.

ــــــــ

نشرتُ المقال أيضا في دورية “قراءات إفريقية” بتعديلات طفيفية.

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق