“توماس سانكارا” وإرثه في بوركينا فاسو

الملقّب بـ "جيفارا" أفريقيا (Thomas Sankara 1949-1987)

“ثورتنا ليست بطولة عامة. ثورتنا ليست معركة عبارات (خطابات) جميلة. ثورتنا ليست مجرد إطلاق شعارات لا تعدو كونها إشارات يستخدمها المتلاعبون ككلمات ختامية، أو ككلمات مشفرة … ثورتنا هي – ويجب أن تستمر – الجهد الجماعي للثوريين لتحويل الواقع، ولتحسين الوضع الملموس لجماهير بلادنا.”

تلك مقولة مؤثرة للقائد الثوري البوركينابي “توماس سانكار”, والذي أقيم له مؤخرا نصبٌ تذكاري جديد في واغادوغو – بعد أكثر من ثلاثة عقود من اغتياله – احتفالا به.

لقد اُغتيل “توماس سانكارا” في انقلاب 15 أكتوبر 1987 الذي جاء عبره “بليز كومباوري” – صديق “سانكارا” الحميم، إلى السلطة. غير أنّ الزعيم الثوري أصبح مرة أخرى وجهاً لحركة شعبية أطاحت بـ كومباوري نفسه في أكتوبر 2014, وذلك عندما عارض الجماهير البوركينابيون محاولة “كومباوري” لتغيير دستور البلاد وتمديد 27 سنة التي قضاها في رئاسة البلاد, ما يضفي صبغة رسمية على مكانة سانكارا في عصر سياسي جديد ببلاده.

ولكن, هل آثار وإنجازات سانكارا مختصرة فقط على بوركينا فاسو؟

لا يزال إرثه – منذ تلك الفترة – يُلهم شعوب القارة إلى اليوم، حيث يعتبرونه مثالا لشخصية استثنائية قادرة على تحديد وقراءة الأوضاع العالمية والمحلية. الأمر الذي يجعل البعض يدعو إلى ضرورة الاستفادة من فترت “سانكارا” الذهبية (4 سنوات فقط) وخصوصا في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية.

وكما يشير “هيبوليت فوفاك”, فإن فهم حقيقة وشخصية الرئيس البوركينابي السابق ““توماس سانكارا””، يحتاج العودة إلى السمات الأساسية للقيادة الإصلاحية، والتي تنطوي – من بين أمور أخرى – على:

  1. فلسفة الحكم التي تحتاج إلى قدر عال من النزاهة، و
  2. القدرة للتعبير عن الرؤية والبرامج بوضوح وترجمتها إلى حقيقة تغيّر حياة الناس إلى ما هو أفضل، و
  3. الشجاعة لتحديد ومواجهة التناقضات السائدة في كل النقطة في عملية التنمية، و
  4. التفكير خارج الحدود بحيث يكون قادرا على التوقّع المستقبلي,
  5. واستباق أداء قضايا التنمية الرئيسية التي ستؤثر إلى حد كبير في الأجيال القادمة.

وسواء كُنّا نتحدث عن تغير المناخ وما يسمّى بـ “المساواة بين الجنسين”، ومحاربة الفساد أو تخفيف عبء الديون – التي أصبحت من المألوف في السنوات الأخيرة، فإن الرئيس “سانكارا” في مقدمة هذه القضايا منذ فترات لا تزال تُعتبر تلك القضايا هامشية.

في انقلاب 1983, استولى “توماس سانكارا” على السلطة بدعم شعبي وهو في سن 33 سنة، وذلك بهدف القضاء على الفساد وهيمنة القوة الاستعمارية الفرنسية السابقة. وأطلق على الفور إحدى البرامج الأكثر طموحا من أجل التغيير الاجتماعي والاقتصادي.

وفي عام 1984, غيّر “سانكارا” اسم البلاد من “فولتا العليا” إلى “بوركينا فاسو” (وتعني بلد الناس الطاهرين), وهي خطوة ترمز إلى الحكم الذاتي والانبعاث الجديد ومحو ذاكرة الحكم الكولونيالي (أو الاستعمار).

وتركزت سياسته الخارجية في معاداة الإمبريالية، مع تجنّب حكومته كل المساعدات الخارجية، مما أدى إلى انخفاض الديون البغيضة، وتأميم كل الثروات الوطنية، وتفادي سلطة ونفوذ “صندوق النقد الدولي” و “البنك الدولي”.

أما سياساته الداخلية, فهي تركز على الحدّ من المجاعة بالاكتفاء الذاتي والإصلاح الزراعي، وجعل التعليم من الأولويات بحملته لمحو الأمية على الصعيد الوطني، وتعزيز الصحة العامة عن طريق تطعيم 2.5 مليون طفل ضد مرض التهاب السحايا والحمى الصفراء والحصبة.

تشمل أجندات سانكارا الوطنية أيضا زَرْع أكثر من عشرة ملايين أشجار لوقف التصحر المتزايد في منطقة الساحل، ومضاعفة إنتاج القمح عن طريق إعادة الأراضي من الإقطاعيين وتوزيعها للفلاحين، إضافة إلى إلغاء الضرائب الريفية والإيجارات المحلية، بل من برامجه المميزة أيضا إنشاء الطرق والسكك الحديدية لربط البلاد مع بعضها البعض.

وعلى المستوى المحلي, دعا سانكارا كل قرية أن تتولّى بناء مستوصف طبّي، وقيام أكثر من 350 مجتمعات ببناء المدارس بأموالهم وجهودهم الخاصة. وكان التزامه بـ”حقوق المرأة” قاده لحظر ختان الإناث، والزواج القسري، وتعدد الزوجات، في حين عيّن أيضا النساء في مناصب حكومية عالية وشجعهن على العمل وعدم الانسحاب من الدراسة بسبب الحمل أو الولادة.

غير أن بعض المجتمعات والمنظمات المعادية ل”توماس سانكارا”، ينتقدونه ويرونه رئيسا يبذل قصارى جهده للسيطرة السلطوية على كل البلاد والقضاء على المعارضين. ولكن الأمر مختلف تماما لدى “سانكارا”, إذ يرى أنّ عليه حظر النقابات وتقييد حرية الصحافة وغيرها، والتي يَعتبرها كأدوات وحواجز تقف في طريق تنفيذ برامجه ومخططاته التنموية – وذلك من أجل تحقيق التحول الجذري والتغيير اللازم للمجتمع.

وحاكم “سانكارا” المسؤولين الفاسدين والمناهضين للثورة الوطنية, والعمّال الكسالى, في المحاكم الثورية الشعبية.

تمثال برونزي (جديد في بوركينافاسو) للزعيم توماس سانكارا

لم يقتصر هذا الإجراء الجريء على ذلك، إذ كان أيضا مقتصدا في نفقاته؛ حيث قطع “سانكارا” راتبه الشهري إلى 450 دولار، ليكون راتبه الأقل بين رؤساء العالم. بل في القارة التي غالبا ما تُعرف بوجود بعض أغنى حكام العالم فيها مع أن دخل الفرد فيها في أدنى مستواه، فإن فكرة أن تكون معيشة رئيس الدولة متواضعة تتوارد كثيرا.

وبعد أكثر من 28 سنة، لا يزال التزام “سانكارا” المقتصد وحفاظه على المسؤولية المالية درسا هاما ومعيارا لحكومات اليوم والمستقبل؛ في عام 2003، عندما خصصت السلطات الكينية 12 مليون دولار في الميزانية لشراء السيارات الفاخرة، هاجمها المنتقدون ونصحوها باتباع المثال الذي ضربه سانكارا.

إن برامج “سانكارا” الثورية لاعتماد الأفارقة على أنفسهم, جعلته رمزا لكثير من فقراء أفريقيا. ويبقى احترام وشعبية “سانكارا” في قلوب معظم مواطني بلاده البسطاء, لكن سياساته خلقتْ عداوة بينه وبين العديد من مجموعات المصالح الخاصة، والتي تضمنت الطبقة الوسطى في بوركينا فاسو – حجمها صغير ولكنها قوية، وزعماء القبائل والأمراء الذين تم تجريدهم من النفوذ التقليدية المطلقة التي يستخدمونها لانتزاع الأراضي وغيرها، وفرنسا وحليفتها.

ونتيجة لما سبق، أطيح به ثم اغتيل في انقلاب عسكري في 15 أكتوبر 1987. وصرّح بقوله الخالد قبل أسبوع من مقتله:

“على الرغم من أنه يمكن قتل الثوار كأفراد، إلا أنه لا يمكن قتل الأفكار.”

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق