التشاؤم من أفريقيا؟ شباب القارة متفائلون بالمستقبل ومعتزّون بانتمائهم الأفريقي

التفاؤل بأفريقيا (Afro-optimism) في مواجهة التشاؤم منها (Afro-Pessimism)

يجد كُتَّابٌ وباحثون أفارقة صعوبةً أحيانًا في إقناع الذين قنطوا من إفريقيا بأنَّ هناك أحداثًا إيجابيَّة جارية داخل القارة؛ وذلك بسبب التأثر بما قرأوه عن الأحداث و”المشكلات المتفاقمة” بإفريقيا، والتي هَوَّلها الإعلام الرئيسي؛ الأمر الذي جعلهم يُطلقون على المتفائلين من الشباب والباحثين الأفارقة لقب “تُجَّار الأوهام”.

على أنَّ بعض المؤسسات الأوروبية في الآونة الأخيرة بدأت تتبنّى مواقف إيجابيَّة من مستقبل القارة؛ ولو كانت هذه المواقف لمصلحتها الخاصة في بعض الأحيان؛ ففي عام 2011م خفّفتْ مجلة “The Economist” -التي لها ثقلها في تشكيل رأي الأفراد والمؤسسات بأوروبا- من حدَّة نبرتها السلبية تجاه القارة، ونشرتْ في ديسمبر 2011م “اقتصاديات إفريقيا المفعمة بالأمل: الشمس مشرقة”، وملف تقرير خاص بعنوان “قارة متفائلة” في مارس 2013م، وذلك بعد أن أعلنتْ في مقال شهيرٍ في 13 مايو 2000م أن إفريقيا “قارة ميؤوس منها”.

وفي المقابل، لا يزال باحثون من مؤسسات مهتمَّة بقضايا إفريقيا في المشرق والمغرب العربيَّيْنِ يسيرون على ذلك النهج الأوروبي القديم؛ كالتشكيك في إنجازات بعض الدول الإفريقية وإمكانات شعوبها، وتحوير الأحداث السياسية بإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى ما يناسب مصالحهم، وتحليل قضايا إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى دون الاهتمام بوجهات نظر أصحابها، وتناول الثقافات والعادات الإفريقية بغرض السخرية دون الوقوف وراء رمزياتها وحقائقها وتفسيرات أصحابها لها.

ومع ذلك؛ فإن التفاؤل الأوروبي بإفريقيا أيضًا يختلف تمامًا عن تفاؤل الأفارقة بقارتهم؛ لأنّ الأول -كما أشار إليه “Kjell Havnevik” في دراسته – يعتمد على طريقة أوروبا والغرب في تفسير التنمية وإسقاط المعايير الأوروبية في فهم المناطق والقارات الأخرى رغم الاختلاف في التاريخ والثقافات والسياقات المجتمعية، ممَّا ساهم في استمرار النظرة النمطية الأوروبية.

أما تفاؤل الأفارقة -وخاصة الشباب- بمستقبل القارة؛ فقد أكّدته دراسة جديدة من مؤسسة “إيفور إيتشيكويتز” (Ivor Ichikowitz)؛ وهو رجل الأعمال وأحد رُوَّاد الصناعة في جنوب إفريقيا، والذي برَّر سبب دعوته إلى المسح الإحصائي أنه في جولاته في جميع أنحاء العالم غالبًا ما يُواجه مجموعة من الصُّور النمطية السلبية لإفريقيا، والتي تخالف ما يشاهده عند وجوده في البلدان الإفريقية من حيث شعور الأفارقة بالإيجابية، والعمل نحو تحقيق الأفضل.

لقد احتجنا إلى دعم هذا (الشعور بالإيجابية وتفاؤل الأفارقة) بالأدلة، ومن هنا جاءت فكرة المسح الإحصائي؛

هكذا قال “إيتشيكويتز”.

فلم تدحض نتائج المسح الإحصائي فقط ما يردده المتشائمون بشأن مستقبل إفريقيا وحاملو الصور النمطية البالية تجاهها، بل أظهرت أيضًا أن شباب القارة يتطلعون إلى عصر من النمو الاقتصادي السريع والوفاء بالإمكانات وتحقيق الآمال الشخصية.

الشباب والتفاؤل بأفريقيا

وأصدرت مؤسسة “إيتشيكويتز” تقرير دراستها بعنوان “الشباب الإفريقي عام 2020″؛ حيث تم إجراء مقابلات خاصة مع 4200 شاب تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا يعيشون في 14 دولة من إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، وهي: جمهورية الكونغو (برازافيل)، إثيوبيا، الغابون، غانا، كينيا، ملاوي، مالي، نيجيريا، رواندا، السنغال، جنوب إفريقيا، توغو، زامبيا وزيمبابوي.

وأشار التقرير الذي أشرف عليه “إيفور إيتشيكويتز”، رئيس المؤسسة إلى أن غالبية الشباب الذين شاركوا في المقابلات الخاصة شعروا بشكل عامّ بأن القارة تسير في الاتجاه الصحيح وأن القرن الحالي بالفعل لإفريقيا، ما يعني أن هناك اتجاهًا نحو “التفاؤل الإفريقي” بين الشباب في القارة، بسبب شعور الشباب بالمسؤولية الفردية وروح المبادرة المنتشرة في جميع أنحاء القارة والثقة في الهوية الإفريقية.

وتتناقض نتائج المسح بشكل صارخ مع القصص المعتادة حول المأساة واليأس عن إفريقيا؛ إذ يرى 82٪ من الشباب المستجيبين أن مستوى معيشتهم سيتحسن في العامين المقبلين، بينما يرى 81٪ منهم أن التكنولوجيا ستكون محرّكًا رئيسيًّا لتغيير حالاتهم الاجتماعية وتعزيز ثرائهم، وتعضد هذا حقيقة أن جيل الشباب الحالي من الأفارقة تبنَّوا التقنيات والتكنولوجيا الحديثة للتغلُّب على تحديات كثيرة في مجال التعليم والرعاية الصحية والإدماج المالي.

ويمكن فَهْم انطباعات غالبية الأفارقة تجاه الأنظمة السياسية داخل القارة بالنظر إلى نتائج المسح أيضا؛ فـ48٪ من المشاركين فضَّلُوا حكومات مستقرة على “الديمقراطية”، وبالتالي لن تكون التكنولوجيا وحدها عصا سحرية لحل جميع تحديات القارة؛ حيث إن الواقع يتطلب من الحكومات الوطنية تحسين الموارد العامة، وإنشاء مؤسسات سياسية مستقرَّة واقتصادية قوية تعزّز الابتكار وريادة الأعمال؛ الأمر الذي سيؤثر بقصدٍ أو دون قصد في تحقيق إدارة أفضل.

التفاؤل بمستقبل إفريقيا في مواجهة التشاؤم

على الرغم من الفرق بين التفاؤل بإفريقيا من وجهة نظر أوروبية وتفاؤل شباب إفريقيا بقارتهم، كانت نتائج المسح بمثابة تنبيه لكل من المتشككين في إمكانيات القارة ونجاحاتها، والمتشائمين الذين لا يرون ضرورة مراجعة مواقفهم القديمة في تناول أحداث القارة وقضايا شعوبها.

ومن جانب آخر، أظهر المسح أيضًا أنَّ شباب إفريقيا ليسوا بعيدين عن واقع التحديات التي قد تُعيق تحقيق أحلامهم؛ كالفساد ونقص الوظائف الجديدة، ومحدودية رأس المال لبدء مشاريعهم وانتشار الأخبار المزيفة وأنشطة الحركات المسلحة وتدهور نُظُم التعليم.

أمامنا الكثير من العمل الذي يتعين علينا القيام به إذا كُنَّا سنخلق فرصة حقيقية لجعل حلم القرن الإفريقي حقيقةً واقعةً لشعبنا.. هذا المسح يُظْهر أن شباب القارة يمثّلون أفضل فرصة، وهذا يدعو للاحتفال والتشجيع؛

هكذا قال “كغاليما موتلانثي” (Kgalema Motlanthe)، الرئيس السابق لجنوب إفريقيا، والضيف المساهم في التقرير.

ومن بين النقاط التي أثارها مسح “الشباب الإفريقي عام 2020م”، أنّ:

– 65٪ من المستجيبين يرون أن القرن الحادي والعشرين سيكون “القرن الإفريقي”، و72٪ منهم واثقون من تقدُّم مستقبلهم المالي، و63٪ غير راضين عن بلادهم، و49٪ غير راضين عن الوضع الحالي لقارة إفريقيا.

– نصف النمو السكاني في العالم خلال الثلاثين سنة القادمة سيحدث في إفريقيا، ويبدو أن الشباب يدركون جسامة المهام، فلجأوا إلى ريادة الأعمال، وخلق فرص العمل لأنفسهم دون انتظار حكوماتهم. إذ أشار التقرير إلى أن 76٪ من المستجبين يريدون بدء عمل تجاريّ في السنوات الخمس المقبلة، ويملك أكثر من 60٪ فكرة لمشروع تجاريّ أو اجتماعيّ، ويشعر 75٪ أنهم غيّروا مجتمعاتهم بشكلٍ إيجابيّ من خلال أعمالهم وأنشطتهم.

– شباب القارة مرتبطون بالتكنولوجيا والإعلام ومهتمُّون بالشؤون التجارية الإلكترونية: يرى 79٪ أن الوصول إلى الواي-فاي يجب أن يكون حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان، ويرى 81٪ أن التكنولوجيا ستُغيّر ثروات إفريقيا ومعايش شعوبها، ويستخدم 59٪ هاتفهم الذكيّ لأكثر من ثلاث ساعات يوميًّا، بينما يستخدم 89٪ وسائل التواصل الاجتماعي.

– شباب القارة لا يهتمُّون بتغيُّر المناخ بقدر اهتمامهم للتحديات البيئية الأكثر إلحاحًا، وتحديدًا ندرة المياه (86٪ من المستجيبين)، الحدّ من النفايات البلاستيكية (79٪)، والصيد غير القانوني للحيوانات البرية (69٪).
– الدولة الوطنية لا تزال مصدرًا قويًّا للهوية الجماعية الإفريقية، لكنَّ 76٪ اتفقوا (أي: أغلبية ساحقة) على وجود هوية إفريقية مشتركة ناشئةٍ عن الثقافة المشتركة، و63٪ يطالبون بالوحدة لدفع عجلة إفريقيا إلى الأمام، ويرى 72٪ أن بإمكان الاتحاد الإفريقي توحيد القارة.

– معظم الشباب المشاركين في المقابلة يبحثون عن وظائف حكومية لتحقيق استقرارهم وأمنهم، لكنهم أكثر حرصًا على بدء الأعمال التجارية وفضّلوها على الوظائف الحكومية.

– الدول الأجنبية التي تؤثّر بشكل كبير على إفريقيا هي: الولايات المتحدة الأمريكية (83٪ يرون تأثيرها إيجابيًّا)؛ المملكة المتحدة (82٪ يرون تأثيرها إيجابيًّا)، والصين (79٪ يرون تأثيرها إيجابيًّا)، والاتحاد الأوروبي (73٪ يرون تأثيره إيجابيًّا)، لكنّ 57٪ فقط هم من اعتبروا التأثير الفرنسي إيجابيًّا.

– شباب إفريقيا يرون الأمراض المُعْدِيَة والإرهاب أكبر تهديدين للقارة خلال السنوات الخمس الماضية، وأن المستقبل ستحدده فُرص العمل، والابتكار وريادة الأعمال، والقضاء على الفساد.

وفي رأي “إيفور إيتشيكويتز”:

لا يعتمد التفاؤل المزدهر بين شباب إفريقيا على الأمل (فقط)، ولكن على قدرتهم على اغتنام الفرص التي يوفرها العالم الحديث. وتؤكد النتائج على أن ريادة الأعمال هي أكبر بُغْيَة لدى الشباب الأفارقة الذين يتبنون التقنيات الرقمية لتشكيل مستقبلهم. وإذا كان هناك أيّ شكّ في قصة “صعود إفريقيا”، فإن هذه الدراسة توفِّر لنا دليلاً قويًّا على أن وقت إفريقيا موجود هنا، وأن القارة ستستمر في الصعود بواسطة جيل جديد من القادة المبتكرين والمسؤولين الواثقين في أنفسهم.

ـــــــــــــــــ

**ملاحظة: نشرتُ هذا المقال أيضا في دورية قراءات إفريقية (بتصرف).

للمزيد عن الموضوع:

– Havnevik، K. (2015). The current Afro-optimism–A realistic image of Africa?. FLEKS-Scandinavian Journal of Intercultural Theory and Practice، 2(2).

– African Youth Survey 2020. Ichikowitz Foundation، available at https://ichikowitzfoundation.com/ays2020-book/

– Anver Versi. (2020). African youth strongly optimistic about future. The NewAfrican Magazine، available at: https://newafricanmagazine.com/22379/

الوسوم
اظهر المزيد

يسعدني سماع رأيك في الموضوع

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق