ما بين الاستفتاء وإعادة الهيكلة.. هل الوحدة النيجيرية قابلة للتفاوض؟

عاد الحديث مرة أخرى في الساحة النيجيرية إلى قضيتي الوحدة الوطنية وإصلاح نظام الحكم الفدرالي. وغالبا ما تكون أزمة انفصاليي “بيافرا” وصراع السلطة أهم الأسباب في اشتداد النقاش حول القضيتين بمواقف متباينة – حتى وإن كانت هناك نقطة اتفاق تجتمع فيها مواقف كل الأطرف.

وكان مما استوقفني خلال أيام مضت – وأنا أراجع المحطات التاريخية التي مرت بها دولة نيجيريا – كيف انتهت الحرب الأهلية النيجيرية بإعلان المسؤول عن “بيافرا” في 15 يناير عام 1970 عن الاستسلام في ثكنة دوندان في لاغوس، وبحضور رئيس الحكومة العسكرية الاتحادية الجنرال “ياكوبو غوان”, حيث قال المسؤول:

“أريد أنا، اللواء فيليب إفيونغ، الضابط المسؤول عن حكومة جمهورية بيافرا، إصدار الإعلان التالي: إننا نؤكد أننا مواطنون نيجيريون مخلصون ونقبل سلطة الحكومة العسكرية الاتحادية في نيجيريا. وإننا نقبل الهيكل الإداري والسياسي الحالي لاتحاد نيجيريا، وأن أي ترتيب دستوري في المستقبل سيتولى إعداده ممثلو شعب نيجيريا. وإن جمهورية بيافرا لم تعد موجودة.”

ذلك هو الإعلان التاريخي الذي رحب به الجميع, غير أنه بعد مرور 50 سنة من تلك الحرب الدامية التي بدأت في عام 1967, فإن البلاد لا تزال تعاني من تجدد الأزمة نفسها, متمثلة اليوم في جماعات مسلحة متعددة في منطقة جنوب شرق البلاد تطالب بالانفصال. ومن بينها جماعة “أبناء بيافرا الأصليين”.

وقد كثرت الأخبار المحلية حول همجية نشاطات “أبناء بيافرا الأصليين” في منطقة جنوب شرق نيجيريا, وهناك تقارير تفيد بأنها لا يهمها الحوار والطريق السلمي للحصول على مطالبها دون الإضرار بالمواطنين الآخرين.

ومن ثمّ تقدمت القوات المسلحة النيجيرية في حوالي أسبوعين ماضيين تقريبا, بإعلان تصنيف هذه الجماعة الانفصالية “أبناء بيافرا الأصليين” كـ”منظمة إرهابية“, حيث الجماعة – بحسب الإعلان – أنشأت شرطتها السرية و “حرس بيافرا الوطنى” وهاجم دورية عسكرية يوم 10 سبتمبر مع قنابل مولوتوف والحجارة والمناجل, كما جاء في بيان الجيش.

“تود القوات المسلحة النيجيرية أن تؤكد للمواطنين أن جماعة “أبناء بيافرا الأصليين” منظمة إرهابية متشددة بناء على تحليل دوافعها ونواياها وتخطيطها,” قال جون إنينشى المتحدث باسم القوات المسلحة.

كان جلّ أعضاء “أبناء بيافرا الأصليين” من الشباب الذين ربما لم يشهدوا الحرب الأهلية ونتائجها. ولم يتعظوا بما تركه زعيمهم “أودوميغو أوجوكو” – الذي أعلن الانفصال المؤدي إلى الحرب, إذ قال في مقابلة صحفية بعد عقود من الحرب: “كان علينا أن نتعلم من الحرب الأولى,” وذلك لكثرة الخسائر البشرية في صفوف “بيافرا”.

بل من المثير للدهشة بعد مهاجمة الجيش لمَواطن الجماعة واختفاء زعيمها نامندي كانو, أنه نسبت إلى قيادة الجماعة قولها إنها تخطط للاجتماع يوم الجمعة (الماضي) لتقرير ما إذا كانت ستلتزم بـ”تعهدها بعدم العنف أو البدء فى الدفاع عن نفسها” ضد ما تصفه بهجمات قوات الأمن.

ولكن من جانب آخر, هناك من يعارض طريقة الحكومة النيجيرية في التعامل مع أزمة “بيافرا” وخاصة فيما يتعلق بجماعة “أبناء بيافرا الأصليين”. كما أن تكرار الأزمة وإصدار التهديدات وكثرة المطالبات في الآونة الأخيرة بالانفصال من قبل عدد من الجماعات العرقية في المناطق النيجيرية, إشارة واضحة إلى أن هناك تحدّيا حقيقيا لطبيعة السياسة ونظام الحكم في نيجيريا.

ففي يونيو الماضي بينما كان الرئيس محمد بخاري في لندن للعلاج, تقدمت 16 مجموعة شبابية من شمال البلاد بإعطاء قبائل الإيبو المقيمين بالشمال مهلة 1 أكتوبر 2017 لترك المنطقة. وذلك بعد أيام من قيام جماعة ” أبناء بيافرا الأصليين” بإغلاق المدن الكبرى في منطقتهم بجنوب شرق البلاد كجزء من حملتها ضد الحكومة الفيدرالية.

“..يدعو الشمال هنا بكل صراحة السلطات وغيرها من أصحاب المصلحة الوطنيين والدوليين إلى الاعتراف بهذا الإعلان من خلال اتخاذ خطوات لتسهيل الحل النهائي لهذا الاتحاد الميؤوس منه الذي لم يكن أبدا مريحا لأي من الأطراف,” تقول إحدى فقرات البيان.

وفي رد فعلها للبيان، قالت “الحركة من أجل تفعيل دولة بيافرا” – وهي من المجموعات الانفصالية في جنوب شرق نيجيريا – إنها تلقت “بسعادة” إنذار المجموعات الشمالية بترك الإيبو لمنطقتهم, وحثّت كل قبائل الإيبو على العودة إلى ديارهم فورا.

وتعهدت مجموعة شباب الجنوب تحت راية “تحالف شباب جنوب نيجيريا”, بأن أي هجوم على شعب المنطقة من قبل الشمال سيواجه قوة متساوية، وأن موقفها تجاه الاتحاد النيجيري هو “أننا ندعو الى إجراء استفتاء فورى ليس فقط فى الجنوب الشرقى بل فى الجنوب النيجيري كله لتحديد مستقبل البلاد بما يتفق مع مطالبتنا بإعادة الهيكلة على مر السنين لجعل نيجيريا جمهورية اتحادية حقيقية.”

أما في جنوب غرب البلاد، أصدرت مجموعة تحت “ائتلاف أودُوَا الوطنى”, بيانها بدعوة جميع شعوب اليوروبا في جنوب غرب البلاد, إلى الاستعداد لإقامة دولتهم ذات السيادة باسم “جمهورية أودوا”, وذلك عقب التهديدات المستمرة لانفصال جمهورية نيجيريا الاتحادية.

إن كل ما سبق يثير التساؤلات التالية:

  • – هل يمكن القول بأن وحدة نيجيريا غير “قابلة للتفاوض” بعد تلك المواقف والتصريحات؟
  • – لماذا لا تجري الحكومة الاتحادية استفتاء وفق مطالب الانفصاليين في جنوب شرق البلاد؟
  • – وإذا كان رفض الحكومة للاستفتاء لأسباب بالغة الأهمية, فلم لا تقود جهود الإصلاحات في نظام الحكم – كحل بديل ودائم يشعر الجميع بالانتماء إلى المشروع النيجيري؟

التعامل مع دعوات الانفصال:

لقد سجلت حكومة الرئيس بخاري نجاحها في استعادة عالبية المناطق التي تسيطر عليها جماعة “بوكو حرام” – بالرغم من أنها تواصل تنفيذ عمليات انتحارية. وتمكنت من تهدئة التوترات جزئيا في منطقة جنوب الشرق، وذلك بعد إرسال الجيش إلى المنطقة، وتمديد دفع مدفوعات العفو للمتمردين السابقين في دلتا النيجر.

ومع ذلك فإن رد الحكومة – فيما يتعلق بقضية “بيافرا” – تعرض لانتقادات. إذ قالت منظمة العفو الدولية إن الجيش النيجيرى استخدم “نهجا طائشا ومتحمسا” فى التعامل مع الاحتجاجات المؤيدة لـ”بيافرا”، مما أسفر عن مقتل 150 متظاهرا منذ أغسطس 2015. غير أن الجيش قد نفي استخدام القوة غير الضرورية.

وحول تعامل الجيش مع جماعة “أبناء بيافر الأصليين” مؤخرا, قالت هداية حسن, المديرة التنفيذية لمركز الديمقراطية والتنمية الذى يتخذ من العاصمة أبوجا مقرا له, “إن الرد العسكرى غير حكيم، لأنه يصبّ مباشرة فى صالح جماعة أبناء بيافرا الأصليين ويكسبهم المزيد من المتعاطفين”. مضيفة إلى أن “هذه مسألة كان ينبغي تسويتها سياسيا”.

واختلفت الجمعية الوطنية فيما بين التأييد والرفض لتصنيف الجماعة منظمة إرهابية. حيث رئيس مجلس الشيوخ بوكولا ساراكي يرى أن إعلان التصنيف غير دستوري وأن الحظر الذى فرضه حكام جنوب شرق البلاد على نشاطات الجماعة لم يتبع الإجراءات القانونية الواجبة. إلا أن رئيس المنسق العام للكتلة النيابية بمجلس النواب الحسن أدو دوغووا, أدان موقف رئيس مجلس الشيوخ قائلا: إن ما قاله بوكولا ساراكي “مجرد تصريح سياسى” يصوّر المواطن رقم 3 فى البلاد كـ”زعيم مثير للجدل”.

وبالنسبة للمجموعات الأخرى في باقي مناطق البلاد, فقد حذرت الحكومة من أنها لن تتسامح مع الحركات الانفصالية والبيانات المثيرة للتحريض والتى تهدد دولة نيجيريا واستقرارها, وبعثتْ مندوبين مكونين من سياسيين وزعماء محليين في كل منطقة للتحدث مع أبنائهم, مشددة على أن الوحدة النيجيرية “غير قابلة للتفاوض.”

وأشار الرئيس بخاري إلى أن “بعض التعليقات وخاصة على وسائل الإعلام الاجتماعية تعدّت خطوطنا الحمراء الوطنية من خلال التجرؤ على التساؤل عن وجودنا الجماعي. هذه خطوة بعيدة جدا,” مضيفا أنه “لكل نيجيري الحق فى العيش ومتابعة أعماله فى أى مكان فى نيجيريا دون أخذ إذن أو إعاقته”.

هل الوحدة النيجيرية قابلة للتفاوض؟

صرح الرئيس النيجيري في خطابه في شهر أغسطس بأن “وحدة نيجيريا قد تمت تسويتها وهي ليست قابلة للتفاوض. ولن نسمح للعناصر غير المسؤولة بإحداث الاضطرابات، وعندما تصبح الأمور سيئة يهربون ويحملون الآخرين مسؤولية إعادة النظام بدمائهم اذا لزم الأمر”.

وبعد ساعات من الخطاب الذي وجهه إلى الأمة بعد عوته من رحلة العلاج, أبدت شخصيات نيجيرية وهيئات محلية آراءهم ومواقفهم تجاه ما جاء في خطاب الرئيس وخصوصا فيما يتعلق بعدم قابلية الوحدة النيجيرية للتفاوض.

ويرى المؤيدون لموقف الرئيس بأن إجراء الاستفتاء الوطني وإعطاء الانفصاليين مطالبهم سيؤدي إلى انفلات الأمور وتفكك البلاد إلى دويلات, وأنه سيجلب عدم الاستقرار وربما حربا أهلية أخرى لا تحمد عقباها.

أما المنتقدين لموقف الرئيس بخاري, فهم يرون أن نيجيريا تكونت من شعوب مختلفة ذات ثقافات متباينة, كما أن مبدأ تقرير المصير لهذه الشعوب هوحقّ وقاعدة عالمية. وعلى أساس هذا المبدأ نفسه قاد الآباء النيجيريون المؤسسون نضالاتهم للحكم الذاتي والاستقلال من بريطانيا في 1 أكتوبر 1960. وأن على هذا المبدأ نفسه تدعو جماعة “أبناء بيافرا الأصليين” للاستفتاء في منطقة جنوب شرق البلاد. معتبرين ذلك لعبة قانونية وعادلة.

وكما يقول رئيس مبادرة سينتروم للتنمية والدفاع عن الحقوق الأساسية، الدكتور جون دانفولاني في حديثه للصحفيين في كدونا: “لقد شهدنا مؤخرا مجموعات في الدول القومية القائمة التي دعت إلى إجراء استفتاء وتم تنظيمها بنجاح: كوسوفو وتيمور الشرقية وإريتريا وجنوب السودان واسكتلندا وأيرلندا الشمالية والقرم.

“يجب أن نكون شجعاء بما فيه الكفاية لطرح السؤال أمام النيجيريين نهائيا. لقد تظاهرنا طويلا جدا ويجب أن تتوقف الذريعة على الفور. إذا كنا حقا غير قابلة للتقسيم وغير قابلة للتفكك كما يريد منا بخاري وجماعته أن نعتقد، لماذا هم يخشون من اختبار موقفهم من خلال الاستفتاء؟”

يتساءل دانفولاني.

الحل الدائم:

بالنظر إلى تكرار الأزمة الانفصالية, فإن نشر القوات في مناطق جنوب الشرق وفرض حظر على المجموعات لن تكون في الحقيقة إلا حلا مؤقتا.

وبينما لا يزال البعض يرون إجراء الاستفتاء كحل أساسي لحسم القضية, فإن زعماء منطقة الجنوب ينادون إلى إعادة هيكلة الدولة محتجّين بأنها الطريقة الوحيدة لإخماد نيران الدعوات الانفصالية وتمكين المزيد من الهياكل اللامركزية ومنح الأقاليم والولايات مزيدا من السلطة. وهو ما يرفضه زعماء شمال البلاد قائلين بأن إعادة هيكلة الدولة ستضرّ بـ”مصالح” منطقتهم – وهي ما لا يمكنهم التنازل عنها.

وبالعودة إلى تاريخ نيجيريا, فإن الدعوة إلى إعادة الهيكلة قد اكتسبت منذ فترة موقعا في الفلسفة السياسية والاجتماعية في نيجيريا. حيث تكون أصوات هذه الدعوة عالية خلال المظاهر والحملات السياسية، وسرعان ما يتخلى القادة عنها عندما يتم اكتساب السلطة.

فقد جاء الجنرال إبراهيم بابانجيدا وانتهى به المطاف إلى إنشاء ولايات. وقام خلفه، الجنرال ساني أباشا، بتقسيم البلاد إلى ست مناطق جغرافية سياسية؛ ثم جاء الرئيس أولوسيجون أوباسانجو ليتجنب إيجاد حلّ للأسئلة القائمة حول هيكل البلاد. وجاء الرئيس موسى يارعدوا مع جدول أعمال من سبع نقاط ليبتعد أيضا عن العديد من الأسئلة المزعجة المتعلقة بمشاكل الهيكل النيجيري.

أما الرئيس السابق غودلاك جوناثان, فهو لم يُعِر قضية إعادة هيكلة البلاد أي أهمية إلا في آخر أيامه في السلطة عندما استدعى قمة وطنية، مع قلة وقت لمعالجة القضايا الملحة. وكان تقرير تلك القمة لم يتم الكشف عنها وعن مضامينها للعوام حتى اليوم.

ويرى ماكس سيولون، المؤرخ النيجيري ومؤلف كتاب “جنود الثروة: تاريخ نيجيريا (1983-1993) ” أنه من غير المحتمل أن تستجيب الحكومة لمطالب الانفصاليين، خاصة وأنه سقط مليونا قتلى فى حرب عام 1967.

وقال سيولون, إن “هناك فرصة ضئيلة جدا بأن الحكومة الاتحادية ستنظر في استفتاء لاستقلال أي جزء من نيجيريا”. مؤكّدا أن “النخب النيجيرية ستتعامل مع هذه المطالب الانفصالية بالطريقة التي تتعامل معها دائما: عبر شكل من أشكال التسوية غير العملية ولكنها مستورة”.

وبعيدا عن خطابات الحكام والزعماء، فإن قادة نيجيريا في الحقيقة لم يضعوا قط أي خطة لإعادة هيكلة البلاد. أو بعبارة أخرى: إن الإرادة السياسية للقيام بإعادة الهيكلة لم تكن موجودة قط.

وبالتالي, فإن نقطة اتفاق للجميع هي أن هناك حاجة للتحسينات (أو الإصلاحات), ولا يمكن تحقيقها إلا ببذل جهود جدية واقعية لإصلاح نقاط الضعف المؤسسية الرئيسية وعيوب الحكم على مستوى الولايات والمستويات المحلية.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى